
يتفق علماء النفس على تأثير الألوان على الناس، فمنهم من يحب الأبيض ومنهم من يحب الأسود، الأزرق لون يريح العيون وهو لون التأمل والاسترخاء، والأحمر هو لون الحب، هكذا يرى الناس الألوان، أو هكذا توحي لهم، فما مدى مصداقية هذا الكلام؟ هل حقا للألوان تأثير على نفسياتنا؟ أم أنها مجرد خرافة.
يقول الدكتور ألكسندر شاوس مدير المعهد الأمريكي للبحوث الحيوية: بأن الألوان تنبه الغدة النخامية مما يفرز هرمونات معينة بحسب اللون الوارد إلى العين، من هنا يأتي الإتفاق على أن لكل لون تأثيره الخاص على حالتنا المزاجية والنفسية.
يعود تاريخ الألوان إلى عام 1666 ميلادي عندما اكتشف العالم إسحاق نيوتين أن تمرير الضوء الأبيض النقي من خلال منشور يحوله إلى عدة ألوان مرئية، وقد قسمت هذه الألوان إلى ألوان دافئة وألوان باردة، وعلى الرغم من عدم إهتمام العلماء أو وجود الدلائل العلمية الكافية، إلا أن لكل نوع من هذه الأنواع تأثيرا على نفسية الإنسان وطريقة تفكيره ومشاعره، وقد تكون بعض هذه التأثيرات موضوعية ومختلفة من شخص إلى آخر، إلا أن غالبيتها عالمية وتنطبق على كل الأشخاص، إذ وجد أن الألوان الدافئة والتي تنقسم من الطيف الأحمر وتشمل اللون الأحمر والأصفر والبرتقالي توقظ الشعور بالدفء والراحة أو الشعور بالغضب والعداوة، بينما الألوان الباردة التي تنقسم من الطيف الأزرق وتشمل اللون الأزرق والأخضر والبنفسجي توقظ الشعور بالحزن واللامبالاة.
لكل منا لونه المفضل ويرافقنا هذا اللون منذ صغرنا إلى أن نكبر، وفي الكثير من الأوقات نختار ملابسنا وديكور منزلنا من هذا اللون، والسبب أن الجسم يكون بحاجة إلى التذبذات التي يمنحه إياها هذا اللون، أي يشعر بالراحة لمجرد رؤيته أو انعكاسه على العين، كما أن اختيار لون محدد يرجع إلى طبيعة الشخص والبيئة التي يعيش فيها، ناهيك عن أن شخصية الفرد تدفعه لتفضيل لون على آخر، فالأشخاص مرهفوا الإحساس يميلون إلى اللون الأزرق، ويختار المتفائلون في الحياة اللون الأصفر، ويفضل أصحاب الشخصيات الاجتماعية اللون البرتقالي، بينما يعبر البني عن شخصية صلبة وقاسية، والأخضر عن شخصية متسامحة ومتفهمة، ويميز الأسود أصحاب الشخصيات الغامضة والجادة، والأبيض يعبر عن شخصية متسامحة وطيبة، والأحمر هو لأصحاب الشخصيات العاطفية.
أثبتت الدراسات النفسية لعلماء النفس أن الألوان ليست مجرد موجات واهتزازات ضوئية فحسب، بل هي ذات تأثير كبير يصل إلى أعماق النفس البشرية، فمنها إيجابي يعبرعن الراحة والحب والفرح والبهجة، ومنها السلبي الذي يثير مشاعر القلق والاضطراب والحزن والكره، بالإضافة إلى تأثيرها الواضح على الحالة المزاجية والصحية، حيث استخدمت الألوان للعلاج منذ العصور والحضارات القديمة كالفراعنة وبلاد الهند والصين، بالإضافة إلى كل من الحضارتين اليونانية والإغريقية، وظهرت حديثا بعض المراكز غير الحكومية المتخصصة بالعِلاج بالألوان.
إن اللون هو ذلك التأثير الفسيولوجي الناتج على شبكية العين، فاللون ليس له أي حقيقة إلا بارتباطه بأعيننا التي تسمح بحسه وإدراكه بشرط وجود الضوء، فلا نستطيع إدراك أي لون إلا بواسطة الضوء الواقع عليه ثم انعكس إلي أعيننا.
لم يعد اللون بنفس المفهوم التقليدي على أنه طبقة من الطلاء أو مادة للزينة والزخرفة ووسيلة للتسلية، بل أصبح اللون عاملا مؤثراً في حياة الانسان العاطفية وحالته المزاجية والعاطفية أيضا.

تأثير الألوان
قد تؤثر الألوان على الناس فتكشف عن طبيعتهم سواء أرادوا ذلك أم لم يريدوا، فانتعاش العين يؤثر بالتالي على الجهاز العصبي، فاللون الأحمر يقترن بالعاطفة ويرمز إلى الإثارة، بينما يرمز اللون الأزرق إلي الحزن والكآبة، ونجد أن الشخص الانطوائي يفضل اللون الأزرق، أما الشخص الودود المسالم فيحب اللون البرتقالي، والشخص المتزن الحكيم يختار اللون الأخضر، أما الشخص المحافظ فيحب اللون الأزرق، اللون الأرجواني هو اللون المحبب للشخص المتعالي.
يعتبر اللون الأزرق هو الخيار الأفضل لحوالي 35% من الأمريكان، يتبعه اللون الأخضر بنسبة 16% فالأرجواني بنسبة 10% ثم اللون الأحمر بنسبة 9%، قد يكون السبب في تفضيل الأمريكان للونين الأزرق والأخضر هو تعودهم على رؤيته في بيئة الأجداد كما هو موضح في مقالة تطور المادة التجميلة.
تحاول بعض الدراسات إثبات صحة أو خطأ تأثير درجة الحرارة المحيطة على اللون المفضل، فالأشخاص اللذين يميلون للبرودة يفضلون الألوان الدافئة كالأحمر والأصفر في حين يميل الأشخاص الذي يفضلون الحرارة إلى الألوان الباردة كالأزرق والأخضر.
استنتجت أبحاث أخرى إلى أن النساء والرجال يفضلون على حد سواء الألوان الدافئة والباردة، في حين استنتجت أبحاث أخرى أن الخلفية الثقافية لها تأثير قوي على تفضيل اللون، فالأشخاص الذين يعيشون في نفس المنطقة لديهم غالبا نفس تفضيلات اللون، وأن سكان كل منطقة ألوان مختفلة عن باقي المناطق بغض النظر عن العرق.
يختلف تفضيل الالوان على حسب الفئة العمرية ففي حين يميل الأطفال للألوان المريحة والممتعة، لا يعتمد تفضيل الألوان للبالغين لأي منطق.
أظهرت أبحاث أخرى مدى تأثير الألوان على الحالة المزاجية، على الرغم من عدم التأكيد على ارتباط حالات مزاجية محددة مع ألوان بعينها.
تتحدث الدكتورة جورجيت سافيدس استشارى العلاج النفسي عن استخدام الألوان فى العلاج النفسى بطريقة معينة للاستدلال على حالة المريض، إذ إن اختيارات المريض لألوان بعينها فى الرسم والتلوين لها مغزى نفسى معين وإشارة محددة لطبيعة المشاعر والأحاسيس فى تلك اللحظة، فمثلا اختيار اللون الأسود والألوان القاتمة يدل على الحزن، ويشير اللون الأصفر إلى التوتر، والأبيض إلى الصفاء والسلام النفسي، بينما يفسر اختيار الأزرق والوردي بسيادة حالة من الراحة والاسترخاء فى تلك اللحظة، وذكرت بأن اللون الأزرق هو أكثر الألوان قبولا حول العالم، فهو لون السماء والبحر وأكثر لون يبعث على الراحة والاسترخاء، ولهذا يوصى به فى طلاء غرف الأطفال أو غرف الانتظار والأماكن العلاجية في المستشفيات.
ويؤكد الدكتور محمد وهدان مدرب تنمية بشرية ورئيس مجلس إدارة أكاديمية طاقة الحياة LEA على وجود تأثير علمي وطبي للون الأزرق على الغدة الصنوبرية، فهو يعمل على تنشيطها وبالتالي يرفع من معدلات إفراز هرمون الدوبامين، الذى يفرز بعد الساعة الثامنة مساء تحديدا مع إغلاق العين، وهو المسئول عن الشعور بالاسترخاء والهدوء، لذا ينصح المتخصصون الأشخاص الذين يعانون من عشوائية فى الأفكار وضعف انتباه والتركيز بارتداء اللون الأزرق وتعريضه للذبذبات الزرقاء.
لفتت الدكتورة أمل عطوة إلى أن الاستخدام الصحيح للألوان يساعد فى أغراض كثيرة، فمثلا أكثر لون تميزه عين الإنسان هو الأحمر لأنه أطول الموجات الضوئية، لذا يستخدم فى الإشارة الأهم فى المرور “إشارة التوقف”، فاللون الأحمر يتدفق بالحيوية مثل لون دم الإنسان، ويفتح الشهية لهذا يستخدمه منتجوا الشيكولاتة بكثرة، ونجد أغلب المطاعم تستخدمه فى الطلاء لفتح شهية الزبائن للطعام ورفع معدلات استهلاكهم للأكل، لكن في نفس الوقت لايمكن طلاء غرفة انتظار أو غرف المستشفيات بدرجات الأحمر لأنها ترفع درجات التوتر والقلق، كذلك يلجأ أصحاب المحال التجارية إلى مزج الألوان حتى لايصاب المشترى بالملل ويغادر المحل سريعا، وتضيف أن الألوان التى تؤدى إلى الإحساس بالبرودة مثل الأزرق الفاتح والأخضر الفاتح يفضل الطلاء بها فى البلاد ذات الجو الحار، على عكس الغرف التى تطلى بدرجات البرتقالي والبيج فتعطي الإحساس بالدفء، لذا يستخدمها أصحاب الأعمال فى البلاد الباردة لتقليل استهلاك الطاقة في التدفئة.
تؤكد الدكتورة جورجيت سافيدس على أن التعرض للإضاءة البيضاء التى يستخدمها أطباء الأسنان وتلك الموجودة فى الشركات والمؤسسات على فترات طويلة ترهق العين وتسبب التوتر وترفع معدلات الحرق لدى الموظفين العاملين بالمكان، لذا يفضل استخدام اللون الأصفر الشبيه بإضاءة الشمس warm whit وذلك لأن الدراسات العلمية الحديثة أثبتت أفضليته على الإضاءة البيضاء على المدى الطويل خصوصا فى العلاج وتحقيق حالات الهدوء والاسترخاء، لينعكس ذلك على الأداء والسلوك الإنسانى بشكل أفضل.

يقول الدكتور محمد وهدان: اللون البنفسجى هو أقوى الألوان ومركز تجميع الطاقة، لذا يستخدمون ذبذباته فى تطهير الأماكن وغرف الجراحات فى قتل الجراثيم والتعقيم باستخدام الأشعة فوق البنفسجية، علاوة على تأثيره فى تنشيط إفراز هرمون السيروتونين من الغدة النخامية، وهو الهرمون المسئول عن الشعور بالسعادة والبهجة.
ويقول أيضا الدكتور محمد وهدان: ألوان قوس قزح سبعة ألوان أساسية تبدأ بالأحمر ثم البرتقالي ثم الأصفر ثم الأخضر ثم الأزرق الفاتح ثم الأزرق ثم البنفسجي، وفي الطب الهندى ألوان الطبيعة موجودة داخل جسم الإنسان مقسمة إلى قسمين: الألوان الحرة وتشمل ألوان الطعام “الأحمر، البرتقالى، الأصفر”، ويسمون الأحمر بمركز البقاء أو الثبات؛ لذا عندما يصاب الإنسان بالأنيميا أو فقر الدم يوجهونه لتناول الأطعمة الحمراء مثل الطماطم واللحوم الحمراء والعسل الأسود… إلخ، التي تساعد على علاج فقر الدم، بينما يعتبرون اللون البرتقالي مرادفا للنشاط والحيوية، لذا ينصحون مرضى الاكتئاب والأشخاص الذين يعانون من الخمول والكسل بتناول الأطعمة البرتقالية التي تحتوى على البيتا كاروتين لبعث الحيوية والنشاط وإيقاظ الهمة وتحسين الحالة النفسية، أما الأصفر فهو لون الذكاء واليقظة الذهنية، لذا تجد الأطباء النفسيين ينصحون المرضى الذين يعانون ضعف الذاكرة والنسيان بتدوين ملحوظاتهم وكتابة المهام فى نوتة صفراء اللون ليتذكرها بشكل أفضل، ويضيف الدكتور محمد وهدان أن اللون الأخضر هو لون الاتزان ويرتبط بالجهاز الدوري والمناعة فى جسم الإنسان، لذا نجد الأطباء ينصحون مرضى القلب بالجلوس فى أماكن خضراء مفتوحة ليؤثر فى جهاز المناعة بشكل إيجابي وينشط مركز الطاقة في القلب.
ويوضح بأن اختلاف درجات الألوان له أيضا تأثيرات صحية ونفسية مهمة، فمثلا اللون الأخضر المزرق أو الفيروزي له علاقة بالإبداع والقدرة على الكلام والتعبير الجيد، وتفريخ الشحنات النفسية بطريقة لبقة وسليمة، لذا يربط المتخصصون فى علم الطاقة استخدامه بمنطقة الحلق، وينصح الأشخاص الذين يعانون من مشكلات فى التعبير اللفظي عن أنفسهم أو أفكارهم بارتداء هذا اللون خصوصا فى المنطقة القريبة والمحيطة بالحلق عن طريق ربط منديل أو شال بهذا اللون، أوالجلوس في مكان يسوده هذا اللون حتى يستطيع الكلام والتعبير بشكل أفضل عن مكنونات نفسه ومواهبه وإبداعاته، فكلما صعدنا إلى دوائر الطاقة العليا في الإنسان تقدم النصيحة بارتداء اللون، أما فى الدوائر الدنيا ينصح بتناول الطعام بلون محدد وفقا لطبيعة الشخص ونوع المشكلة التى يعانيها، ولفت إلى أن هذا السر الكامن فى طاقة اللون الفيروزي والأزرق الفاتح يجعله لونا مناسبا للغاية لدهان المستشفيات والعيادات النفسية وقاعات تدريب التنمية البشرية لأنه محفز على التعبير ومنشط للحالة الذهنية والنفسية.