تخيل أنك تترك خلفك أثرا مرئيا مع كل خطوة تخطوها، ليس أثرا للأقدام، بل هالة كيميائية متطايرة تتكون من مئات المركبات التي تعبر عن هويتك الفريدة! طالما اعتمدت أجهزة الشرطة وفرق الإنقاذ على الكلاب البوليسية لتتبع الأثر أو البحث عن المفقودين تحت الأنقاض اعتدادا بحاسة شمها الخارقة.
لكن، ما الذي تشمه الكلاب بالتحديد؟ وما هو التركيب الكيميائي لهذه الهالة البشرية؟
من هذا السؤال، انطلق فريق بحثي من جامعة تكساس تيك بقيادة الدكتورة باولا برادا تيديمان لمعرفة الشفرة الكيميائية للرائحة البشرية، مستخدمين أحدث التقنيات وأغرب طرق التجميع!
لجمع رائحة الجسم بالكامل دون أي مؤثرات خارجية، صنع العلماء غرفة خاصة من مادة الأكريليك الشفاف بمقاسات 81 في 81 في 91 سم، متصلة بمضخة لضخ الهواء النظيف حتى يتنفس المتطوعون براحة.
شارك في التجربة 10 متطوعين، هم 5 رجال و5 نساء، بمتوسط عمر 25.5 سنة، وقبل التجربة بـ 24 ساعة غسل المشاركون أجسادهم، ومنعوا تماما من استخدام العطور، الكريمات أو مزيلات العرق، وأغلقت الغرفة على كل متطوع لمدة ساعة كاملة لجمع رائحة الجسم الكامل، وقبل كل تجربة تم تنظيف الغرفة بالكحول والماء وأخذ عينة فارغة لمدة ساعة لخصم أي روائح خلفية من النتائج، وتم أيضا جمع عينات فردية من نفس الأشخاص على مدار أسبوع كامل للمقارنة، شملت اليدين بفرك الذراعين والكفين ثم الإمساك بشاش قطني معقم لمدة 10 دقائق وتكرارها 3 مرات، والإبطين بالمشي لمدة 10 دقائق في الهواء الطلق، ثم وضع الشاش تحت الإبطين لمدة 5 دقائق، والنفس بالمضمضة بالماء لمدة 10 ثوان ثم النفخ في قارورة زجاجية خاصة لمدة 10 ثوان.
استخدم الباحثون أليافا دقيقة جدا تعرف بـ أس بي إم إي لاستخلاص الفازة الصلبة الدقيقة لامتصاص الغازات والرائحة، ثم قاموا بتحليل العينات عبر جهاز كروماتوغرافيا الغاز مطياف الكتلة، ورفعت درجة حرارة الجهاز من 40 إلى 300 درجة مئوية للتعرف على المركبات عبر مكتبة كيميائية معتمدة، مع اعتماد المركبات التي تتطابق بنسبة 80% أو أكثر.
من بين مئات المركبات، وجد العلماء أن هناك مركبين اثنين فقط تكررا في جميع العينات ولدى جميع الأشخاص دون استثناء في اليد والإبط والنفس والجسم الكامل، وهما نونانال وديكانال، وهذان المركبان هما من أكثر المركبات تكرارا في الرائحة البشرية المرتبطة باهتمام الكلاب، كما شهدت الدراسة اكتشاف مركب كيميائي جديد لم يسجل من قبل في دراسات الرائحة البشرية، وهو أوكتانال، 2-فينيل ميثيلين.
جميع الروائح المكتشفة مجتمعة بلغت 183 مركبا مختلفا، وبلغ عدد المركبات في رائحة الجسم الواحد 105 مركبات، والكحولات 24٪، وفي اليدين بلغ عدد المركبات 76 مركبا، والكحولات 28٪، وفي الإبطين بلغ عدد المركبات 73 مركبا بإجمالي الكمية الأعلى إطلاقا، والهيدروكربونات 30٪، وفي النفس بلغت المركبات 10 مركبات فقط كأقل عدد وأقل تركيز والهيدروكربونات 40٪.
أظهر تحليل المكونات الرئيسية أن رائحة الجسم الكامل لدى الإناث تكون أكثر تقاربا وتكتلا كيميائيا مقارنة بالذكور؛ حيث كانت عينات الرجال أكثر تشتتا واختلافا فيما بينها، مما يثبت وجود فروق بين الحنسين واضحة في البصمة العطرية.
ويقسم العلماء رائحة الإنسان إلى ثلاثة مستويات، الرائحة الأساسية وهي رائحة ثابتة جينيا لا تتغير مثل النونانال والديكانال، والرائحة الثانوية التي تتأثر بالنظام الغذائي والبيئة المحيطة، والرائحة الثالثة التي تنتج عن العطور والصابون ومستحضرات التجميل.
تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها قارنت لأول مرة بين رائحة الجسم الكامل والأجزاء المنفردة للأشخاص أنفسهم، هذه النتائج توفر قاعدة بيانات علمية تخدم الأجهزة الشرطية والطب الشرعي لتطوير أدوات تدريب دقيقة للكلاب البوليسية، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتطوير أجهزة أنوف إلكترونية وكواشف كيميائية قادرة على التعرف على البشر أو كشف الأمراض عن بعد.
ورغم أن الدراسة تمت على عينة صغيرة تضم 10 مشاركين دون قيود على الطعام، إلا أنها فتحت الباب لعصر جديد في فهم البصمة الكيميائية للإنسان.
