
عرف العاشق ألفريد دورسيه في القرن التاسع عشر بأنه من أشهر المتأنقين في أوروبا، وكان يطلق عليه لقب “داندي”، وهي كلمة إنجليزية تعود إلى القرن الثامن عشر وتعني الرجل المهتم بمظهره وأناقته اهتماما مبالغا فيه.
التقى في أحد صالونات لندن الأدبية بملهمته مارغريت، ليدي بلسنغتون، فنشأت بينهما علاقة رافقته حتى آخر عمره، وتروي الدار أنه ابتكر نحو عام ١٨٣٠ عطرا لهما معا، لا يفرق بين رجل وامرأة.
غير أن المجتمع الذي صفق لأناقته لم يغفر له جرأتها، فقد بدت العناية المفرطة بالمظهر والعطر المشترك بين العاشقين عند كثيرين خروجا على صورة الرجل كما يرسمها عصره، وهكذا صار الرجل الذي أحب امرأة طوال حياته هدفا للهمس: هل هو رجل حقا؟ هل يخفي ما لا يجرؤ أحد على تسميته؟
في عام ١٩٢٥ ابتكر العطار هنري روبير لدار دورسيه عطر «داندي»، ووضعه في قارورة من البلور الداكن من تصميم الثنائي سو وماري. وكانت تركيبته افتتاحا من لمعة الألدهيدات والحمضيات، وقلبا من القرنفل والعسل وزهر البرتقال والياسمين والورد، وقاعدة من الجلد والتبغ والفانيليا والتونكا وخشب الصندل والمسك والباتشولي.
هذا هو الداندي كما يعرف نفسه: رجل لا يرى تناقضا بين الجلد والياسمين، ولا بين التبغ والعسل. رجولته لا تحتاج إلى إثبات، وأناقته لا تنقص منها شيئا. هو العاشق الذي يدخل الصالون مرفوع الرأس، ويترك وراءه أثرا دافئا من الفانيليا، ولا يلتفت إلى ما يقال بعد خروجه. إنه عطر الثقة الكاملة، عطر الرجل قبل أن يسأله أحد.
وفي عام 2022 أطلقت الدار عطرا باسم «Dandy or Not. G.A.» من توقيع العطارة سيدوني لانسسور. أما الحرفان G.A. فهما الحرفان الأولان من «غريمو ألفريد»، الاسم الأصلي للكونت.
والاسم وحده يكفي ليكشف الحكاية: «داندي أو لا؟». إنه السؤال الذي طرحه المجتمع على ألفريد، مكتوبا هذه المرة على قارورة. لم تعد الكلمة لقبا يمنح بإعجاب، بل صارت علامة استفهام تلاحق صاحبها، وتجعل كل ما يرتديه وكل ما يتعطر به موضع تأويل.
وتأتي التركيبة على صورة هذا التوتر: افتتاح من الهيل والجريب فروت فيه حدة لاذعة كنظرة متفحصة، ثم قلب يجمع الشاي الأسود المدخن وزهر البرتقال، ثم قاعدة من الجلد والباتشولي، وتصف الدار العطر بأنه خشبي جلدي يستبدل بحلاوة الأصل حموضة واضحة، الدفء القديم لم يختف، لكنه صار أكثر تحفظا، كرجل تعلم أن يزن خطواته لأن هناك من يراقبها.
واللافت أن زهر البرتقال بقي في قلب العطرين، فالرقة التي اتهم بها الداندي لم تنتزع منه، وبقيت في مكانها في القلب تماما، كأن العطر الجديد يقول: هذه الرقة لم تكن يوما عيبا يخفى، بل جزءا من هوية أراد الناس أن يختصروها في تهمة.
بين القارورتين حكاية أخرى، كانت قارورة الداندي الأول داكنة تحمل شيئا من تلك الثقة الصامتة، فالعتمة هنا ليست إخفاء بل كبرياء، وما في الداخل لا يحتاج إلى أن يعرض على الناس ليصدق، أما قارورة “داندي أور نوت” فشفافة، والشفافية هنا تحمل معنيين: هي الرجل المكشوف لعيون الآخرين، لا يملك أن يخفي عنهم شيئا، وهي أيضا الرجل الذي لم يعد يريد أن يخفي شيئا.
ولم يكن “داندي أور نوت” اسم العطر الجريء الوحيد في الدار، فهناك أسماء أخرى جاءت على هيئة جمل قصيرة مستفزة، تلمح ولا تصرح، وسبب هذه الجرأة هو أن الدار بعد إحيائها في ٢٠١٩ احتاجت إلى هوية جديدة تلفت الانتباه، فلم تكتف بأن تروي قصة العشق القديمة كما رويت من قبل، بل أعادت تعريف الحب بلغة معاصرة، مليئة بالعمق والتعقيد والأسئلة.
إذن يقف ألفريد دورسيه بين عطرين، كما وقف في حياته بين صورتين: الداندي الواثق الذي يعرف من هو، والداندي المتهم الذي يقرر الآخرون من هو.
فهل أنصفته العطور؟ ربما لم تبرئه، لكنها فعلت ما هو أجمل: كتبت السؤال على القارورة كما هو، ليدرك كل من يقرؤه أن هذا السؤال لم يكشف شيئا عن ألفريد، بل كشف المجتمع الذي طرحه.