ماذا تعرف عن تاريخ صناعة العطور؟
صناعة العطور تحتل تاريخ طويل في عمر الإنسان، فمنذ القدم يسعى إلى تجميل حياته سواء بالروائح أو بالأشكال، وعرف الإنسان البدائي العطر من استنشاقه للورود والأعشاب، فكان يقطع الأعشاب العطرية ويحرقها لتعطيه الروائح العطرة وكان ذلك غالبا مخصص للزينة.
أول كيميائية مسجلة في العالم هي امرأة تدعى تابوتي، صانعة عطور تم تسجيل وجودها على لوح مسماري عام 1200 قبل الميلاد في بلاد ما بين النهرين البابلية، لعبت دورا قويا في حكومة ودين بلاد ما بين النهرين، بصفتها المشرفة على القصر الملكي في بلاد ما بين النهرين، طورت طرقا لتقنيات استخلاص الرائحة التي من شأنها أن تضع الأساس لصناعة العطور، سجلت تقنياتها وطرقها وتم نقلها مع أحدث تقنياتها في استخدام المذيبات.
تستخدم كلمة العطور اليوم لوصف الخلطات المعطرة، وهي مشتقة من الكلمة اللاتينية “per fumus” التي تعني من خلال الدخان، تشير كلمة العطور إلى فن صناعة العطور، تم تحسين العطر من قبل الرومان والفرس والعرب، على الرغم من وجود العطور أيضا في شرق آسيا، إلا أن الكثير من عطورها كانت تعتمد على البخور.
العطور كانت موجودة أيضا في حضارة السند في الهند، والتي كانت موجودة من 3300 قبل الميلاد إلى 1300 قبل الميلاد، وفقا لتقرير عام 1975 وجد عالم الآثار الدكتور باولو روفيستي جهاز تقطير من الطين في وادي السند مع حاويات زيت مصنوعة من نفس المادة، الكربون مؤرخ إلى 3000 قبل الميلاد، يذكر التقرير أيضا أنه تم استخدام أوعية من الطين المزودة بفتحات مسدودة من مواد منسوجة بحيث يتم تشريب الأبخرة عند تغطية المواد النباتية المعطرة بالماء المغلي، والتي تم عصرها لاحقا لعزل الزيت.
كان لمصر الدور الأكبر في تأسيس صناعة العطور، وكانت توجد طريقتان لصناعته: الأولى وهي وضع الأزهار في لوحة كبيرة من ورق البردي له طرفان تمسك به سيداتان، ويوضع الورود مع قليل من الماء في داخل اللوح، ثم تدور كل سيدة الطرف الذي تمسك به عكس اتجاه السيدة الأخرى، فيتم عصر الورود وكان يوضع تحتهما إناء كبيرة ليسع الكمية المعصورة، ثم بعد ذلك تحفظ في أواني خزفية وفخارية، وكان يصنع للملكات وزوجات الأمراء والكهنة للتزين به عند الاحتفالات، وكان للطبقات الغنية لا لباقي الشعب، الطريقة الثانية وهي وضع الورود في إناء فخاري صغير وحرقه لأعطاء رائحة عطرة للجو، وكان هذا النوع من العطور جزء من القرابين المقدمة للآلهة، أو لتوديع المتوفي ولم يكن لأغراض الزينة.
تاريخيا أول عطر وجد في العالم كان في جزيرة قبرص على يد علماء إيطاليين في مايو 2004 الذي يرجع تاريخه إلى 4000 سنة مضت، وأيضا اكتشفت إحدى البعثات أن قطعة أرض تبلغ حوالي 4000 متر مربع كانت مخصصة لصناعة العطور، والتي غالبا أخذت طريقة صناعتها من الحضارة المصرية القديمة لتشابه طريقة الصناعة والأغراض المستخدمة، والتي تناقلت فيما بعد إلى روما إبان الإمبراطورية الرومانية.
مع أن الحضارة الإسلامية ورثت الكثير عن الحضارة الإغريقية إلا أن العرب هم أول من استخدم تاج الزهرة لاستخراج ماء الزهور منذ 1300 عام، ولم يستعمل العرب تاج الأزهار كعطر فقط بل استعملوها كدواء أيضا، ولعل أقدم أنواع العطور في العالم يدعى “عطر الورد” وقد كان رائجا جدا لدي القبائل العربية، تعتبر الأزهار مثل الياسمين والبنفسج وزهر الليمون والورد وغيرها من المصادر المهمة لاستخراج العطور عند العرب، ولكن جوهر العطر يستخرج من مصادر أخرى غير الأزهار كالخشب ولاسيما خشب الأرز وخشب الصندل، ومن الأوراق مثل النعناع والغرنوق والخزامى، ومن جذور معينة مثل الزنجبيل والسوسن.
إن الطريقة العربية لصناعة العطور تكمن في استقطار تيجان الأزهار مع الماء، وتكون عبر وضع رقائق من الزجاج في إطارات خشبية حيث تغلف بدهن نقي وتغطي بتيجان الأزهار وتكدس الواحدة فوق الأخرى، ويجري تبديل التيجان بين حين والآخر إلى أن يمتص الدهن النقي الكمية المطلوبة من العطر.
تحسنت تقنيات التقطير بشكل كبير بفضل العمل الشاق لكيميائيين عربيين موهوبين: جابر بن حيان (جابر، مواليد 722، العراق)، والكندي (ألكيندوس، مواليد 801، العراق) الذي أسس صناعة العطور، طور جابر العديد من التقنيات بما في ذلك التقطير والتبخير والترشيح، والتي مكنت من جمع رائحة النباتات في بخار يمكن جمعه على شكل ماء أو زيت، ومع ذلك كان الكندي هو المؤسس الحقيقي لصناعة العطور حيث أجرى أبحاثا وتجارب مكثفة في الجمع بين مختلف النباتات والمصادر الأخرى لإنتاج مجموعة متنوعة من منتجات الرائحة، لقد وضع عددا كبيرا من الوصفات لمجموعة واسعة من العطور ومستحضرات التجميل والمستحضرات الصيدلانية، كما كتب الكندي في القرن التاسع كتابا عن العطور أطلق عليه “كتاب كيمياء العطور والتقطير”، احتوت على أكثر من مائة وصفة للزيوت العطرية والمراهم والمياه العطرية وبدائل أو تقليد الأدوية باهظة الثمن، كما وصف الكتاب مائة وسبع طريقة ووصفات لصنع العطور، وحتى معدات صناعة العطور مثل الإنبيق التي لا تزال تحمل اسمها العربي.
قدم الطبيب والكيميائي المسلم الفارسي ابن سينا (المعروف أيضا باسم ابن سينا) عملية استخراج الزيوت من الأزهار عن طريق التقطير، وهو الإجراء الأكثر شيوعا اليوم، كانت العطور السائلة عبارة عن خليط من الزيت والأعشاب المطحونة، أو بتلات تشكل مزيجا قويا.
في النهاية وصل العطر إلى المحاكم الأوروبية عبر الأندلس في الغرب، وعلى الجانب الآخر مع الصليبيين في الشرق، على سبيل المثال تم جلب البيض والعطور الزهرية إلى أوروبا في القرنين الحادي عشر والثاني عشر من شبه الجزيرة العربية عن طريق عودة الصليبيين من خلال التجارة مع العالم الإسلامي، أولئك الذين يتاجرون بهذه الأشياء كانوا في أغلب الأحيان يشاركون أيضا في تجارة التوابل والأصباغ، هناك سجلات لنقابة الفلفل بلندن تعود إلى عام 1179، والتي تبين لهم التجارة مع المسلمين في التوابل ومكونات العطور والأصباغ.
ورثت أوروبا أغلب طرقها من العرب، وكان أكثر الناس اهتماما بعلم العطور هم الهنجاريون الذين أضافوا الكحول إلى صناعة العطور، ويعتبر أول عطر يستخدم فيه مادة الكحول كمادة أساسية كان في عام 1370 وكان تكليفا من إليزابيث ملكة المجر، والذي أطلق عليه فيما بعد ماء هنغاريا نسبة للهنجاريين، ومن الملكات اللاتي اهتموا بصناعة العطور هي كاترين دي ميديشي ملكة فرنسا التي كلفت صانع العطور الخاص بها (رينيه لو فلورنتين) بإدخال أنواع جديدة من العطور، ولكن لم يعرف أي شيء عن طرقه وذلك لسرية مختبره، وخلال عصور النهضة تمكنت فرنسا من السيادة في مجال صناعة العطور فقد كان يصنع في جنوب فرنسا أهم العطور ومستحضرات التجميل العالمية، وعرفت طائفة في فرنسا خلال القرن السابع عشر باسم صناع العطور، والتي كان لها تأثير ضار في بعض الحالات حيث كانت تستخدم مواد سامة في صناعتها للعطور، فعلى سبيل المثال توفيت إحدى الأميرات الفرنسيات بسبب استخدامها للعطور في تجميل بشرتها والتي أثرت على سمعة هذه الطائفة.
واهتم ملوك فرنسا جميعا بالعطور فخلال القرن الثامن عشر كان الملك لويس الخامس عشر مهتم جدا بالعطور، فقد كانت عربته الملكية تدهن كل صباح بالعطور، وكان أثاثه يدهن يوميا بالعطور وكانت ملابسه تظل داخل إناء العطور لعدة أيام، ولم يهتم الملك لويس الخامس عشر بالعطور في حياته الخاصة فقط بل أمر بتحويل بعض المزارع إلى مزرعة للنباتات العطرية، النهضة التي أنشأها لويس الخامس عشر جعلت من باريس مركزا مهما في صناعة العطور وزراعة النباتات العطرية، ومن الملوك المهتمين بالعطور أيضا نابوليون بونبارت الذي عرف عنه بالاهتمام بالترف، فقد اهتم أيضا بدهن العربة الملكية بالعطور، ويقال أنه في وقت من الأوقات كان يستخدم 60 زجاجة من عطر الياسمين في الشهر، وكان أحب العطور إليه هو عطر الجوزفين لاحتوائه على المسك العربي الأصيل.
في إنجلترا لم تكن صناعة العطور شيء مهما إلا بعد مجئ هنرى الثامن الذي أدخل هذه الصناعة إلى إنجلترا، وأيضا الملكة إليزابيث الأولى اهتمت كثيرا بصناعة العطور، حيث يقال أنها لم تكن تستطيع تحمل أي رائحة كريهة الأمر الذي سبب لها مرض في لسانها، وكانت السيدات تأتي إلى بيت الملكة إليزابيث للتنافس في أفضل العطور رائحة، وحدث التغيير الكبير عندما جاءت الكيمياء الحديثة فقد شهدت صناعة العطور تقدما عظيما بعد الثورة الصناعية الكبرى، كما بدأ استخدام العطور بشكل شائع في كل طبقات الشعب، بل وعندما كان سعر العطور يزيد تحدث مظاهرات في لندن.
نمت صناعة العطور في روسيا بعد عام 1861، وأصبحت ذات أهمية عالمية في أوائل القرن العشرين، أصبح إنتاج العطور في الاتحاد السوفيتي جزءا من الاقتصاد المخطط في ثلاثينيات القرن الماضي، على الرغم من أن الإنتاج لم يكن مرتفعا.
قبل وصول الكيمياء الحديثة إلى الأمريكيتين كانت هناك وصفة شعبية تعتمد على مياه من نهر فلوريدا لاعتقادهم في جمال رائحته، ثم يخلط مع قرنفل وقرفة صينية وأوراق الليمون، وتطورت طريقة صناعة العطور لتصبح استخدام مذيبا نقيا يتم استخراجه من النفط، ثم يدور هذا المذيب على تيجان الأزهار النضرة إلي أن يصبح مركزا بالعطر، ويتم فصل المذيب بواسطة عملية التقطير، وينقى العطر بالكحول ويكمن حاليا تركيب العطور من مواد كيميائية بحيث تبدو وكأنها روائح طبيعية، وأصبحت صناعة العطور لها شركات كبرى متخصصة في هذا المجال.