مقالات عطرية

اللبان: دموع من ذهب

يزخر الوطن العربي بكنوز طبيعية فريدة طالما شكلت عبر العصور إرثاً غنياً ورمزاً للثراء والتميز البيئي، من واحات النخيل المترامية إلى السواحل والجبال التي تجود بأثمن الطيبات العطرية والدوائية.

ومن قلب هذه الكنوز الطبيعية المتأصلة في جغرافية المنطقة، يبرز اللبان كواحد من أعظم هدايا الأرض وأكثرها عراقة، فعلى مدى آلاف السنين، لم يكن اللبان مجرد مادة عطرية عابرة، بل كان عصبًا حيويًا للتجارة، ومكونًا أساسيًا في الطقوس الدينية، وعنصرًا جوهريًا في الطب التقليدي عبر مختلف الحضارات القديمة.

يُعرف اللبان علمياً باسم صمغ Boswellia الراتنجي العطري، وقد شغل مكانة رفيعة في العالم العربي والعالم القديم بأسره؛ حيث اشتُهرت أشجار مثل Boswellia frereana المستوطنة في الصومال، بإنتاج أجود أنواع الراتنج التي تُعرف بقطراته الكبيرة أو دموعه المتجمدة، والتي طالما استُخدمت علكة للمضغ تقليدياً في المنطقة العربية وإلى يومنا هذا.

لقد نسج التاريخ القديم طرق تجارة كبرى خصيصًا لنقل هذه “الدموع الذهبية” من مواطنها في شبه الجزيرة العربية وقرن أفريقيا إلى القصور والمعابد في مصر القديمة وبلاد ما بين النهرين والإمبراطوريتين اليونانية والرومانية.

واليوم، وبينما يحافظ اللبان على مكانته التاريخية العريقة، فإنه يتخذ أبعادًا حديثة هامة بدخوله في صناعات العطور الفاخرة والعلاج بالروائح العطرية (Aromatherapy) والطب البديل، ووسط هذا التراث الغني، تظل الدراسات العلمية الحديثة تسعى لفك شفرات كيمياء هذه الصموغ العطرية، لربط الموروث التاريخي العتيق بالتحليل المخبري الدقيق لتحديد هويتها وأنماطها الكيميائية بدقة متناهية.

أشهر أنواع اللبان وأسماؤها:

تتعدد أنواع اللبان وتتنوع أسماؤها تبعاً لاختلاف الأنواع النباتية ضمن جنس Boswellia (الفصيلة البوسويلية) والبيئة الجغرافية التي تنمو فيها هذه الأشجار المتأقلمة مع الظروف القاحلة. وفيما يلي أبرز هذه الأنواع وخصائصها الكيميائية:

١. لبان بوسويليا بابيريفيرا (Boswellia papyrifera)

يوجد هذا النوع بشكل رئيسي في إثيوبيا وإريتريا والسودان، ويمتاز الزيت العطري المستخلص من صمغ هذه الأشجار بسيادة واضحة لمركب أسيتات الأكتيل (octyl acetate) وبدرجة أقل مركب الأكتانول.

٢. لبان بوسويليا ساكرا (Boswellia sacra / Boswellia carteri)

ينتشر هذا النوع في كل من عمان، اليمن والصومال، ويتميز الزيت العطري الخاص به بتركيبة متغيرة يغلب عليها غالباً مركبات ألفا-بينين أو ألفا-ثوجين أو الليمونين، وغالباً ما تصاحبها كميات معتبرة من الميرسين أو السابينين أو الفيريديفلورول أو بيتا-كاريوفيلين أو البارا-سيمين.

٣. لبان بوسويليا فريريانا (Boswellia frereana)

هذا النوع مستوطن في الصومال، ويُعد واحداً من أكثر أنواع اللبان تداولاً وشهرة على مستوى العالم.

يُعرف محلياً وعالمياً باسم “مايدي” (maydi)، ويتميز بإنتاجه لقطرات راتنجية كبيرة شاع استخدامها تقليدياً كعلكة للمضغ في العالم العربي. وتؤكد التحليلات الكيميائية الحديثة للعينات المأخوذة من أشجار فردية أن زيوتها العطرية تتميز بنمط كيميائي واحد ومتغير يغلب عليه مستويات معتدلة إلى مرتفعة من ألفا-ثوجين (14.5% – 43.9%)، ومستويات متغيرة وملحوظة من ألفا-بينين (3.0% – 63.0%)، مع خلوها تماماً من الميثوكسي ألكانات.

٤. لبان بوسويليا أوكلتا (Boswellia occulta)

نوع تم توثيقه حديثاً في الصومال، ويتميز بكون زيته العطري غنياً بمركب الميثوكسيديكان (methoxydecane) والميثوكسيولكتان (methoxyoctane)، وهي مركبات استثنائية وغير معتادة في الزيوت العطرية النباتية.

وغالباً ما تختلط صموغ هذا النوع تجارياً مع صموغ B. frereana وB. sacra.

ماذا يعني وجود هذه المركبات؟

للإجابة عن هذا التساؤل العلمي، انطلقت الدراسة الحديثة التي أجراها جونسون وآخرون في مركز الأبحاث النباتية العطرية في الولايات المتحدة عام 2021 (Aromatic Plant Research Center) بعنوان: The Chemical Composition of Single-Tree Boswellia frereana Resin Samples، ولتجاوز قصور الدراسات السابقة التي اعتمدت فقط على العينات التجارية المختلطة، ولتقوم بتنفيذ تحليل دقيق لعينات مأخوذة مباشرة من ١٢ شجرة فردية لنوع بوسويليا فريريانا في الصومال.

إن وجود هذه المركبات بتراكيبها الكيميائية المحددة يكشف بدقة عن النمط الكيميائي الحقيقي للنبات، ويوضح طبيعة التوزيع النسبي للمكونات الفعالة سواء في الزيوت العطرية أو في مستخلصات ثنائي كلورو ميثان، وفيما يلي شرح لكل مكون رئيسي وتأثيره الرائحي العلاجي وفقاً للأدبيات العلمية:

١. ألفا-ثوجين: النسبة في الدراسة تراوحت بين 14.5% إلى 43.9% في الزيوت العطرية، ومن 3.6% إلى 12.9% في المستخلصات.

التأثير الرائحي: يُضفي نفحات عطرية خشبية، عشبية ومنعشة ذات طابع حاد ونقي يشبه رائحة الصنوبر والتوابل الخفيفة.

التأثير العلاجي: يُعرف بخصائصه المضادة للميكروبات والمخففة للالتهابات، حيث يسهم في تعزيز الفعالية العلاجية للزيوت العطرية عند استخدامها في العلاج بالروائح.

٢. ألفا-بينين: النسبة في الدراسة سجلت مستويات واسعة التباين تراوحت بين 3.0% و63.0% في الزيوت العطرية، ومن 0.4% إلى 13.9% في المستخلصات.

التأثير الرائحي: يمتلك رائحة صنوبرية قوية ومنعشة ومنظفة، وهي الرائحة الأيقونية المرتبطة بأشجار الصنوبر واللبان التقليدي.

التأثير العلاجي: تُشير الدراسات إلى أن ألفا-بينين يعمل كموسّع قوي للشعب الهوائية، ومضاد فعال للالتهابات ومقشع، كما يساعد في تحسين الذاكرة واليقظة العقلية وتقليل التوتر العصبي.

٣. الليمونين: النسبة في الدراسة تراوحت بين 0.5 % إلى 2.7 %.

التأثير الرائحي: يتميز برائحة حمضية منعشة وفواحة تشبه قشور الليمون والبرتقال، مما يمنح العطور طابعاً حيوياً ومشرقاً.

التأثير العلاجي: تشير الأبحاث إلى امتلاكه خصائص قوية مضادة للأكسدة، ومهدئة للقلق، ومساعدة في تحسين المزاج ودعم الجهاز المناعي.

٤. ميثوكسي ديكان: النسبة في الدراسة لم تظهر أي نسب لهذا المكون في الدراسة الحالية، حيث إنهم اعتمدوا على مصدر واحد للعينات المدروسة، مما أثبت سبب وجود هذا المكون في الدراسات الأخرى وهو الغش والخلط مع أنواع أخرى من أشجار اللبان مثل لبان أوكلتا الذي ينمو في الصومال فقط.

التأثير العلمي والدلالة: يعد من المركبات الألكانية الأثيرية الاستثنائية والنادرة للغاية في النباتات، وقد وُجد أنه يميز نوع بوسويليا أوكلتا بشكل خاص.

إن اكتشافه في بعض الزيوت التجارية المنسوبة خطأً لأنواع أخرى يؤكد حدوث خلط تجاري بين صموغ النباتات في المنطقة.

التأثير الرائحي: يمتلك بصمة عطرية مميزة وحادة تساهم في التغير الواضح للرائحة في المنتجات التجارية المخلوطة.

٥. اللوبيول: النسبة في الدراسة وُجد كأحد المكونات التريتربينويدية الأساسية بنسب عالية في المستخلصات تراوحت بين 14.7% و32.5%.

التأثير الرائحي: نظراً لكونه من المركبات غير الطيارة، فإنه لا يساهم بشكل مباشر في الرائحة المتطايرة، لكنه يمنح الصمغ عمقاً وثباتاً.

التأثير العلاجي: تحظى مركبات اللوبيول باهتمام طبّي واسع لأجل خصائصها الواعدة المضادة للسرطان ومضادات الأكسدة القوية وقدرتها على تسريع التئام الجروح وتخفيف الالتهابات الجلدية والمفصلية.

٦. ألفا-أُميرين وبيتا-أُميرين: النسبة في الدراسة تراوحت نسبة ألفا-أُميرين بين 13.0% و25.2%، بينما تراوحت نسبة بيتا-أُميرين بين 5.3% و8.0% في المستخلصات.

التأثير الرائحي: مركبات صمغية غير طيارة تساهم في الخصائص الفيزيائية للراتنج وملمسه عند المضغ أو الاحتراق.

التأثير العلاجي: أثبتت الدراسات الدوائية أن مركبات الأُميرين تمتلك خصائص مضادة للالتهابات ومسكنة للآلام تقارب في فاعليتها بعض المسكنات التقليدية، فضلاً عن دورها في حماية خلايا الكبد وتقليل الإجهاد التأكسدي.

٧. 3-إبي-لوبيول: النسبة في الدراسة سُجل بنسب معتبرة وثابتة في المستخلصات تراوحت بين 6.4% و14.2%.

التأثير العلاجي: يُعد من مشتقات اللوبيول الهامة التي تعزز القيمة الدوائية للمستخلصات الراتنجية من خلال المساهمة في الفعالية البيولوجية المضادة للالتهاب والخلايا السرطانية.

الخاتمة

تقدّم هذه الدراسة صورة علمية واضحة لما يميّز لبان بوسويليا فريريانا الأصلي عن غيره، فقد اعتمدت على عينات من مصدر واحد موثوق وحلّلت كل شجرة على حدة، وبذلك أرست بصمة كيميائية مرجعية لهذا النوع، وكشفت في الوقت نفسه عن خلط تجاري ظل يربك نتائج دراسات سابقة.

والخلاصة العملية أن لبان فريريانا الأصلي غني بألفا-بينين وألفا-ثوجين في زيته، وباللوبيول والأُميرينات في راتنجه، ويخلو من ميثوكسي ديكان.

كما أن التباين الطبيعي بين الأشجار كبير، ولذلك يُعدّ تحليل GC-MS لكل دفعة الوسيلة الأدق لضمان الأصالة وثبات الجودة، وتهمّ هذه النتائج العطّار والمستهلك على السواء، فالأول يحتاج إلى معرفة ما يتوقعه من المادة الخام ليبني تركيبة ثابتة، والثاني يستحق أن يحصل على لبان أصيل كما وُصف له.

وفي سوق تختلط فيه الأنواع والأسماء، تبقى المعرفة العلمية الدقيقة أصدق شاهد على أصالة اللبان الصومالي وقيمته العطرية والعلاجية.

المصدر
رابط مصدر الدراسة العلمية

محمد عبده

مصمم عطور صومالي، التحقت بدورات في تصميم العطور عام ٢٠٢٤، أتعامل مع العطور من منظور فلسفي فكري، فكل عطر عندي يحمل إرثا تاريخيا وحكاية خاصة ومشاعر نابضة بالحياة والذكريات. والعطار يحب الطبيعة ويعشق مفرداتها وتفردها، ويحاول تقريبها من خلال عطوره، كما يسعى لتقديم أفكاره الخاصة من خلال تصميمات عطرية مبتكرة وفريدة من نوعها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى