الإنسان قادر على تمييز عدد كبير جدًا من الروائح بفضل التركيب المعقد لجهاز الشم، في حين تستخدم العين البشرية ثلاثة مستقبلات عصبية ضوئية، تعمل معا للتمييز بين نحو عشرة ملايين لون، بينما تستطيع الأذن التمييز بين نحو نصف مليون نغمة مختلفة.
تشير الأبحاث إلى أن الإنسان يمكنه التعرف على ما يصل إلى تريليون رائحة مختلفة وفقًا لدراسة أجراها باحثون عام ٢٠١٤.
هذا الرقم يعكس التنوع الهائل في الروائح التي يمكن للأنف البشري إدراكها بناءً على تفاعل الجزيئات الكيميائية مع المستقبلات الشمية.
كيف يميز الإنسان هذا العدد الكبير من الروائح؟
١. مستقبلات الشم:
الأنف البشري يحتوي على حوالي ٤٠٠ نوع مختلف من المستقبلات الشمية.
كل مستقبل يتفاعل مع مجموعة محددة من الجزيئات الكيميائية.
٢. الدماغ وتحليل الروائح:
عندما تكتشف المستقبلات جزيئات الرائحة، يتم إرسال إشارات إلى الدماغ.
الدماغ يجمع الإشارات من المستقبلات المختلفة ليكوّن “بصمة شمية” مميزة لكل رائحة.
٣. التركيبات الكيميائية:
الروائح تتكون من مزيج من جزيئات كيميائية، مما يخلق تنوعًا هائلًا في الروائح.
اختلاف التركيزات والدمج بين الجزيئات يساهم في هذا العدد الكبير.
لماذا هذا الرقم كبير؟
معظم الروائح ليست نقية، بل هي مزيج معقد من جزيئات متعددة.
قدرة المستقبلات على التفاعل مع جزيئات مختلفة بطريقة مرنة تزيد من تنوع الروائح الممكنة.
الدراسة التي تناولت قدرة الإنسان على تمييز عدد هائل من الروائح نُشرت في عام ٢٠١٤ في مجلة ساينس، قام بها فريق من العلماء بقيادة الباحثة ليزلي فوسشال _ مديرة مختبر علم الأعصاب والسلوك في جامعة روكفلر بنيويورك وزملاؤها في مختبر روكفلر.
وكان الاعتقاد السائد أن الأنف يستخدم ٤٠٠ مستقبل عصبي للتمييز بين نحو ١٠ ألاف رائحة مختلفة، وعمل الباحثون في جامعة روكفلر في نيويورك على التحقق من هذه الفكرة التي تعود إلى عام ١٩٢٧، ولم يتم التحقق منها علميا قبل ذلك.
ويقول فريق الباحثين بجامعة روكفلر الأمريكية، إن البشر يستخدمون قدرا ضئيلا من قدراتهم المتوفرة في حاسة الشم.
تفاصيل الدراسة
١. الهدف:
قياس مدى قدرة الإنسان على تمييز الروائح المختلفة، على غرار قدرة العين على رؤية الألوان أو الأذن على سماع الأصوات.
٢. تفاصيل التجربة:
شارك في التجربة ٢٦ رجلا وامرأة من أصول عرقية متنوعة وأعمار تراوحت بين عشرين و٤٨ سنة، حيث أعطيت لهم ثلاث قوارير زجاجية فيها روائح، وكانت اثنتان من القوارير متماثلتين وواحدة مختلفة.
وفي مرحلة ثانية طلب من المشاركين التعرف على الرائحة المختلفة، وفعل كل منهم هذا مع ٢٦٤ رائحة مختلفة.
واستخدم الباحثون ١٢٨ من جزئيات الروائح مع طيف واسع من الروائح منها الليمون والنعناع والثوم والتبغ والجلد وروائح أخرى، ثم مزجوا هذه الروائح وطُلب من المشاركين في التجارب التعرف عليها، وأحصى الباحثون عدد المرات التي يميز فيها المشاركون بشكل صحيح الرائحة في القارورة المختلفة عن القارورتين الأخريين، ثم قاموا بحساب متوسط عدد الروائح التي يمكن للشخص تمييزها إذا شم جميع الخلطات الممكنة لجزئيات الروائح التي استخدمت وعددها ١٢٨ جزئيا.
٣. النتائج:
من خلال هذه التجربة توصل الباحثون إلى أن الشخص العادي بإمكانه التمييز بأنفه بين نحو تريليون رائحة مختلفة، وهو أكثر بكثير من عدد المثيرات التي يمكن للأذن أو العين تمييزها، ويقول الباحثون إن هذا العدد ربما يكون أقل من الحقيقة.
توصل الباحثون إلى أن الإنسان يمكنه تمييز حوالي ١ تريليون رائحة مختلفة.
يعتمد هذا العدد على قدرة الأنف على تحليل مزيج الجزيئات الكيميائية وتفسيرها بواسطة الدماغ.
٤. التفسير العلمي:
الأنف البشري يحتوي على حوالي ٤٠٠ نوع من المستقبلات الشمية.
عندما تتفاعل جزيئات الرائحة مع هذه المستقبلات، يتم إرسال إشارات إلى الدماغ لتكوين بصمة للرائحة.
وتقول ليزلي فوشال التي شاركت في الدراسة إن معرفتنا التقليدية بشأن قدرتنا على الشم تعتمد عل ما يشبه الخرافات.
وتضيف: “إنه أول اختبار حقيقي للقدرات التي يتمتع بها البشر، يفترض البشر أن الحيوانات يتمتعون بحاسة شم أقوى منهم، البشر لديهم حاسة شم قوية وواضحة”.
وتقول فوشال: “إن الحيوانات تظل تتمتع بحاسة شم أقوى بضعفين أو ثلاث أضعاف من البشر، لأنهم يخصصون جزءا أكبر من المخ لحاسة الشم. وبالرغم من ذلك فإن إمكانيات حاسة الشم لدى الإنسان لا يجب أن تبخس”.
أهمية الدراسة
أثبتت أن حاسة الشم لدى الإنسان أكثر تطورًا مما كان يُعتقد سابقًا.
ركزت على إمكانات الجهاز الشمي في معالجة كميات ضخمة من المعلومات الكيميائية.
هذه الدراسة أحدثت نقلة نوعية في فهم قدرات الإنسان على تمييز الروائح، مشيرةً إلى أن الأنف البشري أداة حسية معقدة وقادرة على تحليل ملايين التركيبات الكيميائية بشكل دقيق.
كيف نميز بين الروائح المختلفة؟
يعتمد التمييز بين الروائح على عدد وأنواع المستقبلات الشمية الموجودة في الأنف، والتي تقدر بحوالي ٤٠٠ نوع مختلف لدى البشر.
كل رائحة تنشط مجموعة معينة من المستقبلات، مما يخلق نمطًا فريدًا من الإشارات العصبية، وهو ما يجعل الدماغ قادرًا على التعرف على روائح مختلفة حتى لو كانت جزيئاتها متشابهة.
يعتقد بعض العلماء مثل لوكا تورين، أن عملية التمييز لا تعتمد فقط على شكل الجزيئات، بل أيضًا على اهتزازاتها، وهو ما يعرف بنظرية الاهتزاز في الشم.
لماذا نفضل بعض الروائح على غيرها؟
العوامل الجينية: بعض الناس لديهم حساسية أكبر تجاه روائح معينة بسبب اختلاف عدد ونوع المستقبلات لديهم.
التجارب السابقة: الروائح ترتبط بذكرياتنا وتجاربنا العاطفية، مما يجعل بعضها محببًا وبعضها الآخر مزعجًا.
الاختلافات الثقافية: بعض الروائح التي تُعتبر جذابة في ثقافة معينة قد لا تكون كذلك في ثقافة أخرى.