في عالم العطور، حيث تتقاطع الكيمياء مع الفن، وتتحول المواد الخام إلى تجارب تستحضر الذاكرة والمشاعر، تبرز ديلفين جيلك (Delphine Jelk) بوصفها إحدى الشخصيات التي تجمع بين الحس الفني والرؤية العطرية المعاصرة، لم تبدأ رحلتها من مختبرات الكيمياء أو مدارس صناعة العطور التقليدية، بل انطلقت من عالم تصميم الأزياء، قبل أن تقودها رغبتها في ترجمة الملمس إلى تجربة حسية إلى مسار مهني وضعها في قلب واحدة من أعرق دور العطور الفرنسية: غيرلان (Guerlain).
منذ انضمامها إلى الدار عام ٢٠١٤، أصبحت جيلك جزءًا من الفريق المسؤول عن صياغة هويتها العطرية المعاصرة، إلى جانب العطّار الرئيسي تييري فاسر (Thierry Wasser)، وفي مسيرتها تتجلى محاولة مستمرة لتحقيق التوازن بين احترام الإرث التاريخي والانفتاح على إمكانات جديدة في التعبير العطري، بحيث لا يصبح الماضي قيدًا على الإبداع، بل مصدرًا لإلهامه.
من تصميم الأزياء إلى اكتشاف اللغة الشمية
درست ديلفين جيلك تصميم الأزياء في مدرسة ESMOD بباريس، حيث تخصصت في الملابس الجاهزة الرجالية، وهناك بدأت تتشكل إحدى الأفكار التي سترافقها لاحقًا في مسيرتها العطرية: كيف يمكن نقل الإحساس الذي تمنحه مادة معينة إلى حاسة أخرى؟خلال مشروع تخرجها سعت إلى ترجمة ملمس أقمشة مثل الكشمير والكتان إلى تجارب متعددة الحواس، فربطت قطع الملابس بروائح تعكس طبيعتها، لم يكن العطر بالنسبة إليها مجرد إضافة جمالية إلى التصميم، بل وسيلة أخرى للتعبير عن خصائص المادة وإيصال إحساسها بطريقة غير مرئية، قادها هذا المشروع إلى اكتشاف عالم العطور، وإلى إدراك أن الرائحة قادرة على تجاوز حدود الوصف المباشر، لتصبح وسيلة لاستحضار الأمكنة والمشاعر والذكريات، ومن هنا بدأت رحلتها المهنية في مجال استكشاف الاتجاهات العطرية لدى شركة Firmenich السويسرية، حيث اقتربت من المواد الخام العطرية ومن إمكاناتها الحسية والإبداعية، لاحقًا تلقت تدريبها المهني في صناعة العطور، وعملت لدى دار Drom الألمانية، قبل أن تنضم إلى غيرلان عام ٢٠١٤.
تكشف هذه الرحلة عن مسار غير تقليدي في صناعة العطور، إذ انتقلت جيلك من دراسة الملمس البصري واللمسي إلى استكشاف الملمس الشمي، لتصبح الرائحة بالنسبة إليها مساحة يمكن من خلالها ترجمة الأفكار الفنية إلى تجارب حسية.
La Petite Robe Noire: مشروع فتح الباب أمام غيرلان
تُعد La Petite Robe Noire إحدى المحطات المهمة في مسيرة ديلفين جيلك، لما مثّله المشروع من محاولة لتقديم صورة أكثر عصرية ومرحًا عن الأناقة الفرنسية، والوصول إلى جيل جديد من محبي العطور.
استلهمت جيلك الفكرة من صورة الفستان الأسود الصغير، ذلك العنصر الذي أصبح رمزًا للأناقة البسيطة والخالدة في عالم الأزياء، ومن خلال هذا التصور سعت إلى ابتكار عطر يحمل روحًا أنثوية تجمع بين الأناقة والعفوية، مع الاحتفاظ بقدر من المرح والحداثة.
استغرق تطوير المشروع نحو عامين، بالتعاون مع سيلفين ديلكور (Sylvaine Delacourte) وآن كارولين برازان (Ann-Caroline Prazan)، التي شاركت في صياغة القصة الإبداعية المرتبطة بالعطر.
ظهر العطر أولًا في إصدار محدود لدى متاجر غيرلان عام ٢٠٠٩، قبل أن يُعاد تطويره ويُطرح عالميًا عام ٢٠١٢. ومن المهم التمييز بين الإصدار الأول والنسخة العالمية اللاحقة، إذ لا ينبغي التعامل معهما باعتبارهما تركيبة واحدة متطابقة.
تكمن أهمية هذه التجربة في أنها توضح كيف يمكن لفكرة مستمدة من عالم الأزياء أن تتحول إلى مشروع عطري قادر على مخاطبة جمهور معاصر، وهي أيضًا مثال على الطريقة التي يمكن من خلالها بناء هوية عطرية انطلاقًا من صورة ثقافية مألوفة، ثم منحها حياة مستقلة عبر الرائحة.
غيرلان: إرث تاريخي ومساحة للابتكار
تأسست دار غيرلان عام ١٨٢٨، وهي واحدة من الأسماء التاريخية المؤثرة في صناعة العطور الفرنسية، وقد ارتبط تاريخها بأعمال أصبحت جزءًا من ذاكرة العطور، وبعلاقة مستمرة بين الحرفية والابتكار.
انضمت ديلفين جيلك إلى الدار في عام ٢٠١٤، لتعمل إلى جانب تييري فاسر، الذي تولى منصب العطّار الرئيسي عام ٢٠٠٨. ويشارك الاثنان في تشكيل الإبداع العطري المعاصر لغيرلان، مع اختلاف الأدوار بحسب المشروع والإصدار.
إن العمل داخل دار ذات تاريخ طويل يطرح تحديًا يتجاوز ابتكار رائحة جميلة؛ فالمطلوب هو الحفاظ على هوية يمكن التعرف إليها، مع تجنب تحويلها إلى مجموعة من القوالب الثابتة، من هذا المنطلق لا ينبغي النظر إلى العلاقة بين جيلك وإرث غيرلان باعتبارها محاولة لاستنساخ الماضي، بل بوصفها قراءة جديدة له، فالمواد والتقنيات والأفكار تتطور، بينما تظل المهمة الأساسية هي إيجاد لغة عطرية تحافظ على الصلة بالدار وتمنحها إمكانات تعبيرية جديدة.
وتظهر هذه الفلسفة في مجموعات مثل L’Art & La Matière، التي تتيح مساحة لاستكشاف المواد العطرية بثراء أكبر، وAqua Allegoria المرتبطة باستلهام الطبيعة ونفحاتها المضيئة، ومع ذلك فإن وجود جيلك وفاسر ضمن الفريق الإبداعي لا يعني بالضرورة اشتراكهما في صياغة كل إصدار؛ لذلك تبقى نسبة كل عطر إلى مبتكره مسألة تستوجب التحقق من المعلومات الرسمية الخاصة به.
فلسفتها العطرية: الملمس والتناقض والدفء
عند استكشاف تصريحات ديلفين جيلك ووصف غيرلان الرسمي لأسلوبها، تبرز مجموعة من المواد التي تفضّل العمل بها، من بينها السوسن والمسك والنفحات البودرية والفانيليا واللوز والاتفاقات الحليبية.
وتصف الدار أسلوبها بأنه دافئ وغني ومستدير، يعتمد على التناقضات والتوترات بين النغمات، وهي أوصاف تفتح المجال لفهم الطريقة التي تتعامل بها مع الرائحة، ليس باعتبارها قائمة من المكونات المنفصلة، بل بوصفها بنية تتشكل من العلاقات بين المواد.
يمكن قراءة هذا التوجه من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية.
أولًا: الملمس العطري
لا تقتصر التجربة الشمية على التعرف إلى رائحة السوسن أو الفانيليا أو المسك، بل تشمل أيضًا الإحساس الذي تمنحه التركيبة، فقد تبدو الرائحة بودرية أو كريمية أو ناعمة أو شفافة، حتى عندما لا يكون من الممكن ترجمة هذه الصفات إلى مكون واحد بعينه.
ثانيًا: التناقض بين النغمات
يتيح الجمع بين النضارة والدفء، أو بين الإشراق والعمق، بناء تركيبات لا تعتمد على صفة واحدة مسيطرة، بل على الحركة والتغير والتفاعل بين جوانب مختلفة من الرائحة.
ثالثًا: الذاكرة بوصفها مصدرًا للإلهام.
يمكن لمشهد جغرافي أو نص أدبي أو تجربة شخصية أن يكون نقطة البداية لعطر، قبل أن يتحول إلى بناء شمي مستقل.
وهنا تصبح مهمة العطّار ترجمة الفكرة إلى مواد وتوازنات وتدرجات يمكن إدراكها عبر حاسة الشم، هذه الأبعاد ليست قواعد ثابتة تنطبق على جميع أعمال جيلك، بل قراءة تحليلية لملامح أسلوبها استنادًا إلى تصريحاتها ووصف الدار الرسمي.
Néroli Plein Sud: عندما تتحول الجغرافيا إلى رائحة
يقدم Néroli Plein Sud المنتمي إلى مجموعة L’Art & La Matière مثالًا على العلاقة بين الصورة الذهنية والبناء العطري في أعمال ديلفين جيلك.
استلهمت العطر من رواية Courrier Sud للكاتب والطيار الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، ومن أجواء الرحلات الجوية فوق المغرب والصحراء، وقد انطلقت من مشهد يرتبط بالسماء والرحلة والمساحات المفتوحة، لتطوير تصور عطري يجمع بين النيرولي والبهارات ونجيل الهند.
لا تكمن أهمية هذه الفكرة في مجرد اختيار مكونات مرتبطة بمنطقة جغرافية، بل في محاولة تحويل المشهد إلى تجربة شمية، فالصحراء هنا ليست مكونًا عطريًا، والسماء لا يمكن استخلاصها في زجاجة؛ إنما تصبحان صورتين إبداعيتين تساعدان على تحديد اتجاه التركيبة وبناء شخصيتها.
وهذا ما يجعل دراسة مصادر الإلهام ضرورية لفهم العطر، مع ضرورة التمييز بين القصة التي تقف وراء ابتكاره والتجربة التي يعيشها كل شخص عند ارتدائه.
عطور أخرى في مسيرتها
تتصل مسيرة جيلك بعدد من المشاريع العطرية التي تعكس تنوع الأعمال داخل غيرلان، مع ضرورة التحقق من إسناد كل إصدار إلى مبتكره، خصوصًا عندما تكون التركيبة ثمرة تعاون بين أكثر من عطّار.
من بين هذه المشاريع Mon Guerlain، وهو خط عُطري ارتبط بتقديم صورة معاصرة عن أنوثة غيرلان، وTobacco Honey الذي صدر عام ٢٠٢٣ ضمن مجموعة L’Art & La Matière، مستكشفًا العلاقة بين التبغ والعسل وما ينتج عنها من تباين بين الجوانب الدخانية والدفء الحلو.
كما يبرز Oud Nude الصادر عام ٢٠٢٢ ضمن المجموعة نفسها، بوصفه مثالًا على استكشاف العود داخل الإطار الإبداعي لغيرلان، فالمادة العطرية ذاتها يمكن أن تتخذ اتجاهات مختلفة تبعًا للمواد التي تحيط بها وطريقة بنائها داخل التركيبة.
ومن الأعمال الأخرى Néroli Outrenoir الصادر عام ٢٠١٦، الذي يجمع بين النيرولي والشاي الأسود في حوار بين الإشراق والعمق، ويُذكر ضمن الأعمال المرتبطة بالتعاون الإبداعي بين جيلك وتييري فاسر.
التكريم والاعتراف المهني
في عام ٢٠٢١ نالت ديلفين جيلك وسام فارس في وسام الفنون والآداب الفرنسي (Chevalier de l’Ordre des Arts et des Lettres)، وهو تكريم ثقافي فرنسي يُمنح تقديرًا للإسهامات في مجالات الفنون والآداب.
يمثل هذا التكريم محطة مهمة في مسيرتها، لكنه لا يختصر قيمتها المهنية في لقب أو وسام؛ إذ تتضح ملامح تجربتها بصورة أكبر عند النظر إلى مسارها من تصميم الأزياء إلى التدريب العطري، ثم إلى تطوير المشاريع التجارية والأعمال الراقية داخل غيرلان.
وتوضح هذه الرحلة أن صناعة العطور ليست حكرًا على مسار تعليمي واحد، وأن الخلفيات الفنية المختلفة قد تتحول إلى أدوات إبداعية مهمة عندما تقترن بالمعرفة المهنية والتدريب المتخصص.
بين الذاكرة والابتكار: ماذا تخبرنا تجربة دلفين جيلك؟
تكشف تجربة ديلفين جيلك عن علاقة معقدة بين الصورة والملمس والرائحة، فقد قادها اهتمامها بالأقمشة إلى اكتشاف العطر، ثم أصبح هذا الانتقال نقطة انطلاق لمسيرة جمعت بين الحس الفني وفهم المواد العطرية والعمل داخل دار تحمل تاريخًا طويلًا.
ومن La Petite Robe Noire إلى Néroli Plein Sud وصولًا إلى قراءتها المعاصرة لـ L’Heure Bleue، تتكرر فكرة تحويل شيء غير ملموس إلى تجربة حسية: فستان يتحول إلى صورة عطرية، ورحلة جوية تصبح مشهدًا شميًا، ولحظة بين النهار والليل تتحول إلى مشروع لإعادة تفسير عطر تاريخي.
لا يعني ذلك أن جميع أعمالها تتبع فلسفة واحدة أو أن كل تركيبة تبدأ بالضرورة من قصة أدبية أو ذكرى شخصية، بل إن هذه الأمثلة توضح كيف يمكن للفكرة أن تكون جزءًا أساسيًا من عملية الابتكار العطري.
في نهاية المطاف لا تكمن أهمية ديلفين جيلك في كونها تعمل داخل دار عريقة فحسب، بل في المسار الذي قادها إلى هذا الموقع، وفي قدرتها على توظيف خلفيتها الفنية ضمن مجال يتطلب معرفة دقيقة بالمواد والتراكيب والتوازنات الشمية.إنها تجربة تذكّرنا بأن العطّار لا يصنع رائحة جميلة فحسب؛ بل يبني علاقات بين مواد مختلفة، ويمنح الأفكار والأماكن والذكريات شكلًا يمكن للإنسان أن يختبره من خلال حاسة الشم.وربما هنا تحديدًا تكمن إحدى أكثر خصائص صناعة العطور إثارة للاهتمام: أن شيئًا لا يمكن رؤيته، ولا يمكن الإمساك به، قد يصبح قادرًا على استحضار عالم كامل في لحظة واحدة.
