لم نكن نحتاج إلى خوارزمية كي نكتشف عطرا نحبه، بل كثيرا ماكان يبدأ بمصادفة، رائحة عابرة في ممر، أو قارورة في خزانة، أو توصية من صديق يعرفنا، أما اليوم فنكتب سؤالنا لمساعد ذكي: ما العطر الذي يناسبني؟ فيجيب في ثوان، بثقة لا تعرف التردد.
وخلف هذه البساطة سباق صامت، فبعض شركات العطور والتجميل لم تعد تكتفي بأن تظهر في نتائج البحث، بل صارت تعمل على أن تظهر في إجابة الذكاء الاصطناعي نفسها، فتعيد تحسين صفحات منتجاتها ومحتواها الرقمي لتزيد فرص ظهورها في التوصيات التي تنتجها الأنظمة الذكية، ليصبح اسمها هو الجواب حين يسأل أحد.
تخيل امرأة تكتب: “أريد عطرا يشبه رائحة العيد”، هي لا تبحث عن اسم دار ولا عن ماركة، بل عن ذكرى، فإذا جاءها اسم عطر واحد بنبرة واثقة، فهل اختير لأنه الأقرب إلى تلك الذكرى، أم لأن صاحبه أتقن لغة الآلة؟
وهنا يبدأ الاستغراب، ففي محركات البحث التقليدية كنا نرى الإعلان مكتوبا بوضوح ونختار أن نتجاوزه، أما في إجابة الذكاء الاصطناعي فتأتي التوصية في صوت واحد موجه كأنها حقيقة محايدة، ولا يقال لنا إن هذا العطر ظهر لأن صاحبه استثمر في الظهور، فهل نتلقى إجابة أم إعلانا يرتدي ثوب النصيحة؟
ولنأخذ مثالا آخر: شاب يسأل عن عطر لمقابلة عمل، قد يأتيه اقتراح لعطر عالمي معروف، بينما يوجد في متجر صغير بمدينته عطر لعطار مستقل يناسبه أكثر، لكنه لا يملك ميزانية ولا فريقا ليعلم الآلة اسمه، وإذا تكرر هذا ملايين المرات، قد نصل إلى زمن تبدو فيه الخيارات كثيرة، بينما تدور التوصيات حول الأسماء نفسها.
وهناك خوف أعمق من ذلك، وهو أن تتشابه ذائقتنا، فحين يسأل الملايين الأسئلة نفسها ويتلقون الإجابات نفسها، قد يتعطر الناس بالعطور نفسها وتضيع تلك المفاجأة الجميلة حين نكتشف عطرا لم يرشحه لنا أحد.
ثم إن العطر ليس منتجا عاديا، هو ذاكرة وهوية ومزاج، وكثيرا ما نحب عطرا لأسباب لا نعرف كيف نشرحها، فكيف يختصر سؤال مكتوب تجربة حسية كهذه في توصية جاهزة؟ والآلة لا تشم، لكنها قد تصبح أكثر من يتكلم عن الرائحة.
ومع ذلك لا يمكن إنكار الحاجة، فسوق العطور مزدحم إلى حد الحيرة، ومن يدخل عالمها لأول مرة قد يضيع بين آلاف الأسماء والنوتات، والمساعد الذكي يختصر عليه الطريق.
فالسؤال إذن ليس هل نستخدم الذكاء الاصطناعي، بل هل سنعرف متى يرشد ومتى يبيع؟ ربما تكون أهم مهارة للمتعطر في هذا الزمن أن يسأل الآلة، ثم يعود إلى أنفه، فالذائقة التي تصنعها لنا الإجابات الجاهزة قد تكون مريحة، لكنها لن تكون ذائقتنا تماما.
