حكايات عطرية

العطر: قصة قاتل | دراما عطرية مثيرة وشيقة

ترتبط العطور بذاكرتنا ارتباطا وثيقا، ودائما ما تجعلنا نشعر بالأفضل، ولطالما كانت الروائح موجودة في كل العصور والثقافات، ومنها الفيلم المقتبس من رواية العطر لباتريك زوسكيند التي صدرت سنة 1985، العطر: قصة قاتل Perfume: The Story of a Murderer، والذي ربط الروائح بالدراما السينمائية في قالب مثير وغامض.

تدور أحداث الفيلم حول جان باتيست غرانوي عبقري حاسة الشم، حيث يقتل الفتيات ويحفظ روائحهن لاستخلاص الرائحة ليحقق طموحه في ابتكار أفضل عطر في العالم.

ولد جان باتيسيت غرانوي في 17 تموز 1738، وتم إعدام أمه شنقا لأنها أرادت التخلص منه، ثم أرسل إلى دار أيتام السيدة غايال حيث تربى هناك وكان منبوذا من أقرانه حيث أرادوا قتله، كان يتمتع بموهبة استكشاف الروائح وكانت لديه حاسة شم قوية، وفي سن الثالثة عشر قررت السيدة غايال أن تبيعه للدباغ جريمال الذي عمل في مدبغته لمدة خمس سنوات، وبعكس باقي الدباغين المتذمرين من روائح المدبغة النتنة كان غرانوي يعيش بشغف وسط كنز من الروائح والاكتشافات الحسية التي كانت تشحذ حاسة شمه الفذة.

أثناء تجوله في باريس في إحدى الليالي، انجذب غرانوي لرائحة فتاة شابة صهباء خضراء العينين، كانت رائحة ساحرة لغرانوي، مما ولد لديه رغبة شديدة في تملك عطر الفتاة فلاحقها متتبعا رائحتها ولكن عندما صرخت خوفا منه أغلق فمها بيده كي لا تجذب انتباه المارة من الطريق وعندما أزال يده عن فمها وجد بأنها ماتت من دون أن يقصد قتلها.

كان هناك عشرات صانعي العطور في باريس في تلك الأيام، واحدا منهم صانع عطور إيطالي جيوسابي بالديني.

يغتنم غرانوي لقائه بالعطار بالديني ليستعرض أمامه مواهبه الشمية، فلا يتردد بالديني في انتشاله وشراءه من مدبغة جريمال ليوظفه كعطار متعلم في معطرته المنتصبة فوق إحدى قناطر باريس، كان بالديني عطارا عجوزا ذا خبرة في تقنيات العطارة إلا أنه كان يعيش فترة قاسية على صعيد عمله، وكان ظهور غرانوي في حياته فرصة لاسترجاع مجده الضائع ومواجهة المنافسة الشرسة من صناع العطور الباريسيين، وهكذا توطد بين الرجلين توافق ضمني: غرانوي يبتكر وصفات جديدة من العطور لفائدة بالديني مقابل اقتسام الأخير لمعارفه التقنية مع عطاره الشاب.

يقول بالديني: عمل صانع العطور الحقيقي أن يحدد الخلطة الدقيقة بأي خطوات وبأي مقادير وبأي نسب محددة.

يقول بالديني أيضا: العطور كالقواعد الموسيقية، فقواعد العطر لها أربع مكونات أو نوتات، ويجب أن تختار بعناية لتتوافق وتتناغم للأبد، كل عطر يحتوي على ثلاثة قواعد: المقدمة والقلب والقاعدة، تشكل 12 نوتة بشكل كلي، مقدمة العطر يحتوي على الانطباع الأول يدوم لبضع دقائق قبل أن يأتي القلب روح العطر، يدوم بضعة ساعات، وأخيرا القاعدة الأساسية أثر العطر الذي يدوم بضعة أيام.

و هكذا نمى غرانوي خبرته في تقنية التقطير التي تمكنه من استخلاص روائح الأزهار، إلا أنه سرعان ما صدم بعدم قابلية تطبيق نفس التقنية لاستخلاص روائح أشياء أخرى كالنحاس الأصفر والقطة وبالتالي رائحة البشر مثلا، فسقط غرانوي طريح الفراش متأثرا بصدمة تحطم طموحه في السيطرة على جميع روائح العالم، وحالما أخبره بالديني بإمكانية تعلم تقنيات أخرى أكثر تطورا كالاستشراب في مدينة كراس استرجع جرونوي عافيته وقرر الرحيل.

أليس هناك طريقة لاستخلاص الرائحة هذا ماكان يهم جان باتيست ويريد تعلمه من بالديني الذي قال له بأنه يمكنك تعلم ذلك في غراس محافطة بروفانس في فرنسا.

اضطر غرانوي للمكوث مدة أطول في عطارة بالديني لاحتياجه لشهادة العطارة التي قايض بالديني منحها له بابتكاره لمئة وصفة إضافية تضمن لبالديني استمرار رخاء عمله رغم رحيل غرانوي، في صبيحة اليوم الذي كان فيه غرانوي مغادرا ضواحي باريس متوجها إلى كراس انهارت معطرة بالديني فوق رأسه هو وزوجته.

في مدينة غراس _ عاصمة صناعة العطور في فرنسا عمل غرانوي بفضل شهادة بالديني في معطرة السيدة أرنولفي، حيث يعمق معارفه التقنية خصوصا في الاستشراب، أثناء إقامته في هذه المدينة يكتشف غرانوي وجود فتاة ذات عطر أخاذ وأبلغ أثرا من رائحة الصهباء التي قتلها، إنها لورا ريشي ابنة أحد أعيان المدينة فلا يزيده هذا الاكتشاف إلا مثابرة في التعلم لإيجاد طريقة تمكنه من استخلاص روائح الكائنات الحية.

حاول غرانوي بدأ تجربته مع فتاة ليل استئجرها، إلا أن طقوسه الغير مبررة بالنسبة لها أصابتها بالريبة ورفضت استكمال التجربة وقررت الرحيل، فصدمها بضربة على رأسها ماتت على أثرها واستخلص منها رائحتها واختبرها من خلال حاسة الشم لدى كلبها.

حينها يبدأ غرانوي في تنفيذ جرائم قتل متتالية بغرض استخلاص العطور الطبيعية لأجساد أجمل فتيات المدينة العذارى، وهكذا تغرق غراس في دوامة من الرعب حيث تستفيق المدينة بصفة دورية على جثث حليقات الرؤوس، وتنغمس في محاولة معرفة هوية القاتل المجهول.

يختتم غرانوي جرائمه بقتل لورا ريشي، التي لم ينفع حدس والدها أنطوان والحماية الصارمة التي كان قد أحاطها بها في تفادي نفس مصير الفتيات التي سبقنها.

يتمكن غرانوي من تركيب أكثر العطور كمالا بتوليف العطر المستخلص من جسد لورا بإضافته لـ 12 عطرا المستخلصة من أجساد باقي الضحايا، وبعد افتضاح أمره يلقى القبض عليه ليحكم عليه بالإعدام، وقبيل اقتياده لساحة المدينة لتنفيذ الحكم تحت أنظار الآلاف من سكان المدينة يتعطر غرانوي بعطره السحري ليفقد آلاف الحاضرين صوابهم ويدخلوا في مجون وعربدة جماعيين تحت أنظار غرانوي، وبفضل سحر عطره المعجزة يغدو غرانوي بريئا في أعين جلاديه ويطلق سراحه فيغادر غراس ويعود إلى باريس حاملا ما يكفي من العطر ليحكم العالم ولكنه يكتشف بأن عطره لن يجعله يحب أو أن يكون محبوبا كشخص طبيعي.

عند عودته لباريس يتجه لاشعوريا إلى مكان ولادته وهو سوق السمك، هناك يفرغ قارورة عطره السحري فوق جسده مما يحوله إلى ملاك في أعين العشرات من الأشخاص المتواجدين في نفس المكان، والذين أغلبهم من العاهرات والسكارى والمتشردين، ينجذب إليه هؤلاء لدرجة نهشهم لجسده، في الصباح التالي لم يبق لجان باتيست غرانوي وجود عدا ملابسه وقارورة عطره الفارغة التي سقط منها اخر قطرة.

ما نستفيده من هذه الرواية الملحمية أن العطور مهمة في حياتنا فهي قادرة على تغيير مزاجنا نحو الأفضل، وأن العطور تتفاعل على بشرة كل منا بطريقة مختلفة، فلكل منا رائحة محببة ويعشقها تختلف عن غيره.

العطر: قصة قاتل Perfume: The Story of a Murderer هو فيلم إثارة ألماني صدر سنة 2006، من إخراج توم تايكور ومن بطولة بن ويشا، آلان ريكمان، راشيل هورد، وود وداستين هوفمان. الفيلم مقتبس من رواية العطر لباتريك زوسكيند التي صدرت سنة 1985.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى