مقابلات عطرية

مقابلة مع أحد أشهر صانعي العطور في العالم روجا دوف

«محظوظ جداً أنني عشت حياة ساحرة، ومسرور لأني أسير على الدرب الذي ولدت لأسافر عبره. كنت محظوظاً للغاية بأول مشاركة لي في عالم المحترفين من العطور، حيث عرض عليّ دور في أرقى دار من دور العطور الفرنسية».

هكذا اختصر صانع العطور البريطاني الشهير روجا دوف، مالك دار «Roha Parfums» للعطور، لـ «الراي» أبرز ملامح مشواره الطويل والمتميز في عالم صناعة العطور. وتابع: «لقد كان تدريبي كلاسيكياً، إذ قمت بدراسة روائع كبيرة، وتعلمت جمال المواد الخام، وكيف استخدمت على مرّ الزمن لخلق تأثيرات مختلفة. لكنّني دمّرت تماماً في بعض النواحي، فقد نشأت في عالم مليء بالفيكونيا، والحرير والكشمير، بدلاً من الصوف والقطن والنايلون. أنا محظوظ جداً أنّه ليس لدي أحد يقول لي كيف وماذا أبتكر، وأنا أؤمن بأنّ الابتكار عملية عاطفية، فحدسي وحده يقودني».

في أحد أركان فندق جميرا شاطئ المسيلة، حيث زار الكويت للمرة الأولى، ضمن تعاونه أخيراً مع شركة «وهران» التجارية، تحدث دوف لـ «الراي» بشغف وعشق عن تشكيلته الجديدة من العطور، والتي تتألف من تشكيلتين، فضلاً عن عطرين منفصلين أحدهما نسائي والآخر رجالي، حيث أخذ يشرح بالتفصيل كيفية صناعتها، وتركيزه دوماً على أدق التفاصيل لدى صناعة العطور، وهي أمور قد لا ينتبه لها العميل، وتطرّق إلى ما يميّز عطوره عن غيرها، مشدداً على أنه صانع عطور وليس صانع علامة تجارية أو غيرها، وتحدث عن أمور أخرى عديدة، وفي ما يأتي التفاصيل:

• بداية… كيف تعرّف الجمهور على نفسك؟

– أنا صانع عطور بريطاني، وأعتبر نفسي من مبدعي العطور وأكثرهم ابتكاراً واحتراماً حول العالم في هذا القطاع المترف، وعطوري التي أصنعها هي سلوك وأسلوب حياة، وهي باختصار تجسيد لروجا دوف نفسه. فمنذ نعومة أظفاري كنت أختبر الروائح والعطور والتي كانت سبباً في انتقالي من ضيق العالم الواقعي إلى فسحة الخيال والإبداع. حيث أطلقت العنان لحماستي التي قادتني للتعرف على عائلة Guerlain، والتي تعتبر الصلة الحية لكل ما يتعلق بصناعة العطور في عصرها الذهبي. وأصبحت للمرة الأولى في تاريخ العائلة، من خلال عملي مع دار«Guerlain» طوال 20 سنة، أول سفير عالمي لها على الإطلاق وأنا لست بفرد من عائلتها. وعبر تعزيز شغفي ومعارفي وموهبتي، طوّرت طريقةً ثورية لفهم العطور غيّرت كل هذه الصناعة، فكانت بمثابة ختمي الخاص المقدر له، فأسست شركتي الخاصة لأكون قادراً على تلبية نداء قلبي، مغيّراً مفهوم الرفاهية والإبداع في عالم صناعة العطور، واليوم أمتلك قواعد راسخة في هذه الصناعة جعلتني رائداً في تعليمها ومرجعية رئيسية للعطور.

• وهل هذه هي زيارتك الأولى للكويت؟

– نعم، وبالرغم من أني لم أرَ الكثير من معالم الكويت، إلا أنني أحسست بأن شعبها ودود جداً، وفعلياً لمست ذلك خلال لقائي بهم في مجمع «الأفنيوز»، خلال إطلاق تشكيلتي الجديدة داخل «هارفي نيكلز»، بالتعاون مع شركة «وهران» التجارية، التي تمتلك اسماً كبيراً في عالم العطور ومستحضرات الجميل على نطاق الشرق الأوسط، وحقيقة أشعر بالسعادة الكبيرة لهذا التعاون المشترك بيننا، لأنني دوماً أحب التعامل مع أشخاص ذوي كفاءة وخبرة في مجال عملهم، وقد لمست أنهم يمتلكون ذلك فعلاً.

• حدثنا قليلاً عن التشكيلة الجديدة التي أطلقتها أخيراً؟

– لدي مجموعتان جديدتان أطلقتهما في الأسواق، إلى جانب نوعين جديدين من العطور. المجموعة الأولى تسمى «The Tutti Frutti Aouds»، وهو اسم قريب من الآيس كريم الإيطالي، وقد استوحيتها من خلال تواجدي في منطقة الشرق الأوسط وتحديداً دبي. وللعلم، فقد أطلقت تلك المجموعة من العطور للمرة الأولى في لندن وبشكل حصري، حيث نالت إعجاب الكثيرين واستحسانهم، ومن هذا المنطلق يمكنني القول إنني صانع العطور الغربي الوحيد الذي قدّم مثل هذا النوع من العطور.

• وما سبب توجّهك فيها نحو العطر العربي؟

– بصفتي صانع عطور غربيا، بدأت أعرف أشياء عديدة عن العطور العربية ومدى أهميتها وحب النّاس لها، وهكذا عندما أطلقت متاجر «Harrods» عطري برائحة العود، حددوا موعداً أقصاه ستة شهور لبيع كل الكمّية، لكن لن تصدق أنها نفدت تماماً خلال عشرة أيام فقط.

• وماذا حصل بعد ذلك؟

– جنّ جنون الناس به، لذلك عدت مجدداً إلى دبي، وعرفت أن الشعب الخليجي يحب تناول الحلويات كثيراً مثل الكيك والبسكويت، وهكذا خطرت فكرة صناعة المجموعة الجديدة «The Tutti Frutti Aouds».

• هل لك أن توضح لنا طبيعة التشكيلة؟

– في هذه التشكيلة، حرصت على أدق التفاصيل، حتى في ما يخص الزجاجة أو العلبة الخاصة بالعطر، ففي الخلفية تجد العود وهي إشارة لاحترام التقاليد، لكن فوقه تجد الحلويات. والنوع الأول من المجموعة يسمى «Sweaty Aouds»، أما الثاني فاسمه «Candy Aouds»، والثالث يسمى «Frutti Aouds».

• وماذا عن تشكيلتك الأخرى؟

– هذه التشكيلة تدعى «de la Nuit» لأنك كلما نظرت إليها تجدها مختلفة، وكانت فكرتي حولها بسيطة، لأنني أعتقد أن الجميع عندما يحلّ المساء فإنهم يتصرفون بشكل مختلف، حيث أننا نعتقد أنه بإمكاننا القيام بأمور في الظلام ولا نفعلها في ضوء الشمس. وفي هذه المجموعة فكّرت في ثلاثة أنواع من الناس الذين قد تقابلهم ليلاً، وتعتمد في تركيبتها على إغواء الطرف الآخر بشكل أو بآخر، وأيضاً تأخذك إلى مكان بعيد بحيث تشعر أنك حتى لست في الكويت.

• نلاحظ على العبوات الخاصة بالعطور دقة التفاصيل؟

– هذا صحيح تماماً، فكما أخبرتك سلفاً أنني أهتم بأدق التفاصيل والتي قد لا ينتبه إليها الزبون، لكنني أحب دوماً أن أمنح عملي كامل الاهتمام، لإيصال الفكرة العامة التي رسمتها في مخيّلتي عندما صنعت العطر. فزجاجة العطر هي امتداد للعطر نفسه، وكذلك العلبة التي تحتوي الزجاجة، كلها مترابطة مع بعضها البعض، ويجب ألا تكون في منأى عن بعضها.

• هل التشكيلتان للرجال أم للنساء؟

– يمكن القول إنهما يصلحان للرجال والنساء، لكن أيضاً ولأميّز كل واحد عن الآخر، أطلقت عطرين آخرين، الأول خاص بالرجال ويسمى «Risqué»، وهي كلمة فرنسية تستخدم في اللغة الإنكليزية وتعني ألا تفعل شيئاً سيئاً، وهذا العطر هو منعش ظاهرياً لكنه من الباطن ناعم للغاية وبلسمي، فهو مبتكر للغاية وأعتقد أنك لا تستطيع أن تفكر في عطر آخر يشبهه.

• وماذا عن العطر النسائي؟

– هو عطر ناعم للغاية، ورائحته فيها من الياسمين والزهور، بالإضافة إلى مادة أخرى يتطلب إنتاجها ست سنوات، وقيمتها تعادل قيمة الذهب ثلاث مرات ونصف، ويدعى «Beguiled»، وهي كلمة إنكليزية جميلة وغير شائعة، وتعني بشكل عام السيطرة بطريقة سحرية على الطرف الآخر من دون مقاومة.

• عندما تصنع العطور، هل تضع بعين الاعتبار ألا يكلّف مبلغاً باهظاً كي يتمكن الجميع من شرائه؟

– في النهاية ليس كل شيء متاحاً للجميع، وهذا هو الواقع. ففي العطور أستخدم مكوناً طبيعياً نادراً ولا يمكن الحصول عليه بسهولة وهو يدعى «Rose de Mai»، وهو يكلّف عشرة أضعاف الذهب الخالص. كذلك أستخدم «Swarovski» والذهب والمعادن الثمينة والحرير للزجاجات والقبعات واللوحات والصناديق. وبثت قناة «BBC» الإخبارية برنامجاً وثائقياً عن ذلك المكوّن «Rose de Mai»، وكنت أنا الشخص الوحيد في العالم الذي يستخدمه كما قالوا، لأنه فعلاً نادر الوجود.

• هل هذا يعني أن عطورك باهظة الثمن؟

– عطوري تتم صناعتها كلها بشكل يدوي، ولا نقوم بإنتاجها على نطاق واسع وتحتاج وقتاً طويلاً لحين الانتهاء منها، ومع ذلك هي أرخص بكثير من عطور العديد من الماركات. وللعلم صناعة زجاجة واحدة من عطوري تتطلب مهارة كبيرة لوضع اللمسات الأخيرة عليها، حيث يتم إنتاج كل زجاجة في فرنسا وتصنّع من أنقى وأصفى أنواع الزجاج المستخدم في هذا القطاع. أمّا تفاصيل الذهب، فيتمّ طبعها في إنكلترا على الزجاج يدوياً في عملية تستغرق ثلاثة أيام، وكل غطاء من أغطية العطور الذي هو رمز لعطوري يتطلب أربعة عشر حجراً من «Swarovski» مجموعة باليد في عملية تستغرق خمسة أيام. كما تزين الجهة الأمامية لكل زجاجة بلوحة ذهبية تطبق على الزجاج يدويّا في إنكلترا. وكل زجاجة ثمينة تقدّم على حدّ سواء بعلبة ثمينة أيضاً يتم تجميعها باليد في إنكلترا من قبل حرفيين حائزين على جوائز، ويستخدمون أجود أنواع الأوراق والأخشاب والحرير، وكثير منها تم إنشاؤها خصيصا لعطوري.

• ما الفارق بينك وبين غيرك من ماركات العطور؟

– الفرق هو أنني أصنع عطوراً ولست مصمم ماركة أو أصنع المجوهرات، وعندما أصنع العطور أستخدم أفضل المكونات الموجودة في العالم. وبالرغم من أنني لا أعلن عن عطوري في الصحف والمجلات كثيراً، إلا أن الناس يعجبون بها في كل مكان مقارنة مع غيرها من الماركات، وتعتبر من الأكثر مبيعاً في غالبية الأوقات، ونصيحتي لكل زبون قبل الشراء أن يعلم شيئاً عن العطور التي سوف يقتنيها.

• بعد إصدارك لكتاب «Essence Of Perfume» المختص بالعطور… هل تفكر في إطلاق كتاب ثان؟

– في الحقيقة لا أعتقد أنني بحاجة إلى كتاب ثانٍ، لأنني ومن خلال كتابي «Essence Of Perfume» وثّقت كل سنوات خبرتي ومعرفتي بشكل جميل، بالإضافة إلى تاريخ الروائح منذ نشأة هذه الثقافة حتى عصرنا الحالي، مفصلاً الجوانب الفنية للعطور، والأسرار التي تقف خلف إبداعها. حتى أصبح بمثابة إرشاد غني وشامل للهواة، والعشاق والخبراء على حد سواء، وهو مرسوم بسخاء، وبني بذكاء وكُتب بطريقة شاعرية، بنغمة شخصية وقصص فريدة. وللعلم، فقد بيعت كل نسخه من الطبعة الأولى عبر موقع «أمازون»، وعندما سألتني الجهة الناشرة عن رغبتي في طباعة نسخة ثانية رفضت، وأخبرتهم بأني أريد إعادة صياغته مجدداً، حيث قمنا منذ نحو ستة أشهر بإعادة كتابته وتطلب ذلك عملاً كثيراً.

• هل تطلب مساعدة أحد خلال صناعتك للعطور؟

– أنا أساعد نفسي، فلا أحد يستطيع أن يخبرني بما أريد ولا أحد يستطيع أن يتحدث عني، ولهذا فإن عطوري تعني التعبير الشخصي الذي يشبه مثيله في الفن كالرسم. وللعلم منذ عامين ونصف العام تمت دعوتي إلى «Downing Street»، وتمّ تعييني سفيراً لبلادي بريطانيا العظمى كسفير للعطور، وهي سابقة لم تحدث في مكان سواء فرنسا أو إيطاليا، وأنا فخور بذلك لأنه جاء من منطلق عملي الإبداعي بمجالي في صناعة العطور.

• وهل تعلمّت صناعة العطور بسرعة؟

– احتجت إلى 15 عاماً فقط لأتدرب على كيفية صناعة العطور بشكل احترافي، وهو وقت أكثر بكثير مما يحتاجه طبيب جرّاح، لكن يجب أن تكون دوماً مستعداً للتنازل عن الكثير من الوقت للوصول إلى الهدف الذي تريد.

• ما السرّ الذي يجعلك دوماً في المقدمة؟

– سرّي هو أن الله منحني هبة صناعة العطور، فخلال التدريب طوال 15 عاماً يمكن لأي شخص أن يتعلم كيفية صناعة العطور، لكن ما لم يكن لديك الموهبة، فمهما فعلت لن تكون بارعاً في هذه المهنة، وهذا يطبّق على أي مهنة أخرى. وللعلم، قد لا أكون بارعاً في كثيرمن الأشياء الأخرى في الحياة، لكنني أجيد صناعة العطور.

• وما الذي يميّز عطورك عن غيرها؟

– أنا لا أصنع العطور لأنني ملزم بذلك، بل لأني أعشق عملي وأحبه وأتقنه تماماً. في المقابل، هناك ماركات عطور كبرى لا تصنع عطورها بنفسها، إذ إن لكل صانع العطور خلطة للتسويق تقول «اجعله منعشاً ورياضياً ولاذعاً، ويجب أن يتكلف مالاً كثيراً» وأنا لا أعمل بهذه الطريقة، لأنني أفعل ما أريد، أمتلك فكرة وأقوم بتنفيذها ولا أفكر البتّة بتكاليفها. ففي النهاية ما يميّز العطر دوماً هي جودة المكونات التي يتم استعمالها لصناعته.

• هل تحرص على إطلاق مجموعة جديدة كل عام؟

– نعم، فأنا أصنع العطور دائماً ولا أستطيع التوقف عن ذلك، فليس لدي عمل ولا وسيلة حياة سوى صناعتها فهي حياتي، لكن كما ذكرت أن الموضوع برمته يستغرق وقتاً طويلاً، وأحياناً نصنع عطوراً ونقرر عدم إطلاقها. وجديدي في العام المقبل سيكون إطلاق عطرين سبق أن انتهيت من صنعهما منذ 8 أشهر، لكن بما أنه لدينا حالياً عطور كثيرة في السوق فيتوجب عليّ الانتظار.

• أعلم أنك تصنع عطوراً خاصة لأشخاص مميزين… كيف ترى الأمر؟

– تلبية لطلبات خاصة لا حصر لها من زبائن خاصين، أطلقت خدمة لا يوازيها شيء في العالم، وهي خدمة التوصيات الخاصة، فكل إبداع جديد، تدخل في تركيبه أفضل وأرقى المواد الخام الموجودة على الأرض، بغض النظر عن تكلفتها ومدى ندرتها. وظهر أول إبداع لي في فعالية خيرية احتضنتها صالة «Christie» للمزادات العلنية في لندن، وحصدت حينها أعلى العروض. إن العطور الخاصة بخدمتي لتكوين العطر حسب الطلب، هي عطور أصيلة تحمل طابع طالبها فقط، تأسر قلب من يضعها لتصبح جزءاً منه مدى الحياة. وأنا شخصياً أحدد البصمة الحسية التي تناسب عطر الزبون المثالي، من خلال استخدامي لتقنيته الخاصة والبديعة «Odour Profiling»، فتكون النتيجة عملاً فنياً بحق، تخص واضع العطر لوحده دون غيره وجزءا من روحه. وهناك كثيرون حاولوا معرفة قائمة زبائني الخاصين، لكنني لن أكشف عنهم أبداً، لأن عطر كل شخص منهم هو بمثابة رائحة وحيدة متفردة، لن يتمكن أحد آخر على الأرض من امتلاك مثلها.

• أخيراً، ما هو حلمك الذي ما زلت تطمح إليه؟

– حلمي أن تعيش عطوري حياة صحيّة طويلة، خصوصاً أنني لا أمتلك أطفالاً وعطوري أعتبرها أطفالي، وكل ما أقوم به أرغب في تركه إرثاً خلفي لكل أهلي خصوصاً والدتي، ولو لاحظت ستجد أنني أكتب في الجهة الخلفية لكل زجاجة عطر بخط صغير «عطر من روجا دوف»، لذلك أتمنى أن أكون قد ابتكرت شيئاً جميلاً بشكلٍ كافٍ، ليعيش ويستمر أكثر مني.

متاجر عربية وعالمية لبيع العطور عبر الانترنت

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى