“العطر هو ثقافة، وليس استهلاكاً”، كيف جعل رينو سالمون دار أمواج العلامة العطرية الأكثر حسّية في العالم.
بين اللبان العماني ورود دمشق وصمت الجبال، تكتب أمواج منذ أكثر من ٤٠ عاماً مستقبل العطور الراقية، وتحت الإدارة الإبداعية لرينو سالمون، تحولت العلامة التي كانت في يومٍ ما سر العطور الخاص بالسلطان إلى علامة ثقافية عالمية لا تُساوم، شعرية وعميقة المعاني.
في حديثه مع مجلة “ماري كلير”، يتحدث المدير الإبداعي عن روح عُمان وقيمة الوقت، ولماذا يجب أن يكون العطر أكثر من مجرد رائحة جميلة.
نحن الآن في قلب جبال الجبل الأخضر. على ارتفاع يزيد عن ٢٠٠٠ متر، تنمو هنا واحدة من أكثر الورود شهرةً وقيمةً في العالم.
هل يمكنك أن تصف لنا هذه التجربة العاطفية أثناء موسم تفتّح الورود في الجبل الأخضر؟
رينو سالمون (يأخذ نفساً عميقاً ويبتسم) إنه شعور عميق بالسكينة، تكون حاضراً فعلاً في اللحظة، العزلة هنا في الأعلى تحمل شيئاً إيجابياً للغاية فهي تجلب التركيز، الهدوء وإحساساً بالجماعة، كل هذا يحدث بشكل طبيعي تماماً، كأننا جميعاً نأخذ نفساً جماعياً عميقاً.
ماذا تقول هذه الورود عن روح عُمان، وبالتالي عن روح دار أمواج؟
هذه الورود هي كالملكات في الجبال، مخفية، ثمينة، وهذا تماماً ما تمثّله عُمان: جوهرة خفية، وحتى بعد سنوات من التواجد هنا، لا تزال تكتشف شيئاً جديداً.
أكثر ما أحبه هو هذا المزيج بين الانفتاح الدافئ والحاجة العميقة للخصوصية، إنه بلد يرحب بك ولكنه يترك لك أيضاً المساحة، مثل الوادي الذي لا يظهر إلا بعد المنعطف التالي، هناك شيء أنيق جداً في ذلك.
كيف يتم ترجمة هذا الإحساس إلى تجربة عطرية تصلح للعالم كله؟
عُمان تجسّد قيماً مثل البساطة، الأصالة والفرح بالأشياء الأساسية، وهذا تماماً ما نحاول نقله في عطورنا، الناس في جميع أنحاء العالم يتوقون إلى الصدق، ويشعرون حينما يكون العطر أكثر من مجرد أداة تسويق، مكونات مثل اللبان أو الوردة تحمل هذه القصص بداخلها.
أود أن أسألك عن علاقتك الإبداعية مع العطّارين، أنت تتعاون مع عطّارين من مختلف أنحاء العالم – من بين أفضل الأسماء في المجال، كيف تبدو هذه العلاقة في الواقع؟ مثلاً مع أليكسندرا كارلين التي أبدعت “Honour Woman” و”Dia 40″، هل تتبادلون الصور، الملمس أم أن للشعر أيضاً دور؟
نعم بالتأكيد، في الأساس الأمر يبدأ ببناء صلة عميقة، يجب أن تتأكد من أن الحسّ الفني والتعبير الجمالي واللغة الجمالية كلها تنسجم، هذا يتجاوز موجز العمل القصير، إنه يتعلق بالعيش معاً والخلق معاً والاستكشاف والشعور معاً.
هذا الشعور المشترك عميق الحميمية ولا يحدث مع كل عطّار، مع ألكسندرا أو كونتان أو سيسيل مثلاً، لا نشترك فقط في السن، بل أيضاً في العديد من المراجع والذكريات والرموز الثقافية، هذا ما يخلق التقارب.
لكنني أعمل بنفس القدر من السلاسة مع عطّارين مخضرمين وأكبر سناً، طالما أننا نتشارك الفهم ذاته للإبداع، بالنسبة لي يجب أن تكون عملية الإبداعية عضوية، لا ينبغي أن تشعر وكأنها عمل.
في أفضل الأحوال يجب أن تبدو كأنها شيء محظور كما لو كنا فقط نستمتع بالحياة، نروي لبعضنا القصص ونتبادل الأفكار، وفجأة ندرك أننا ابتكرنا شيئاً ما، دون أن ننتبه تتدفق الأفكار ويولد الإبداع، هذه هي الإبداعية الحقيقية بالنسبة لي.
في مشروع مثل “Purpose 50″، هل كنت تعلم مسبقاً مع من تريد أن تعمل؟ هل فكرت مباشرة في كونتان؟
في الواقع لا، البداية كانت مختلفة تماماً، كنت كفنان ببساطة فضولياً تجاهه، شممت بعضاً من ابتكاراته وشعرت بوجود توقيعٍ خاص، نمطٍ يتكرر، عالمه العطري أسرني، وقلت لنفسي: لا بد أن هذا الإنسان مثير للاهتمام، أردت أن ألتقي به فقط لأكتشف إن كنا نتحدث نفس اللغة، التقينا وكان واضحاً فوراً: هناك صلة، أول عملين له مع أمواج كانا “Guidance” و”Purpose”، وكلاهما اليوم من أكثر العطور المحبوبة في الدار، كان الأمر وكأننا اكتشفنا مفردات جمالية مشتركة، كانت فقط تنتظر أن يتم التعبير عنها.
هل يجب أن يواكب العطر مزاج مرتديه أم أن يظل توقيعاً ثابتاً له؟
أعتقد أن كلا الخيارين مثير، فكرة “خزانة العطور” رائعة، لأنها تُظهر مدى تنوّع الإنسان تماماً كما هو الحال في الملابس، لكن العطر التوقيعي يحمل شيئاً رومانسياً للغاية، أن تتعرف على شخص من رائحته فقط هذه هي السحر بعينه.
في السابق كان المراهقون ينفقون أموالهم على الأحذية الرياضية، أما اليوم فهم يستثمرون في العطور الفاخرة، ما الذي يجذب الشباب حالياً نحو العطور؟
لوقت طويل كان من الصعب إيصال تجربة العطر رقمياً، لكن الآن هناك جيل شاب يتحدث عن العطر بلغة جديدة تماماً، مباشرة، عاطفية وعملية في آن.
يقولون: هكذا أشعر، وهذا أمر محرِّر وقد أشعل شغفاً جديداً تجاه العطور.
كانت أمواج تُعتبر سابقاً علامة “نِيش”، واليوم تقفون جنباً إلى جنب مع أكبر الأسماء في عالم الفخامة، ما الذي تغيّر؟
الحدود أصبحت غير واضحة، الفخامة اليوم تعني الموقف لا الحجم، وأمواج تمتلك هذا الموقف، نحن متخصصون وهذه هي قوتنا.
رينو، قلتَ ذات مرة إن “الوقت” هو أحد المكونات الرئيسية في خط “Essences”، في عالم يلهث وراء السرعة، كيف تتعامل مع ذلك؟
الأمر ليس سهلاً، من المؤكد أنه محبط عندما يحب الناس عطراً ما، لكنهم لا يستطيعون شراءه فوراً، لكن عطوراً مثل “Outlands” تحتاج إلى ستة أشهر، لو خضعنا لوتيرة السوق لما وُجدت هذه الإبداعات، وهذا سيكون خسارة حقيقية.
لكن أليس من المتوقع في أيامنا هذه أن يكون العطر متوفراً دائماً وأن تكون رائحته دائماً نفسها؟
هذه بالضبط هو التحدي إذا كنت تريد تطابقاً تاماً، فلا يمكنك استخدام مواد خام طبيعية تُنتج بكميات صغيرة، لكنني أريد أن يكون لدى عطّارينا القدرة على استخدام كامل اللوحة ليس فقط ١٠٪ منها بل ١٠٠٪، وهذا يعني قد توجد فروقات طفيفة، وأعتقد أن هذا ما يجعل العطر أكثر إثارة للاهتمام.
هل تعتقد أن القليل من الندرة يجعل العطر أكثر جاذبية؟
بالتأكيد طالما أنها ندرة حقيقية، أنا لا أحب الندرة المصطنعة. إذا قدمنا إصدارات محدودة “Drops”، فذلك لأن المواد الخام محدودة فعلاً وليس لأن الأمر موضة رائجة.
هل فكّرتم يوماً في قوائم انتظار أو إصدارات حصرية؟
نعم، هذا سيسمح لي باستخدام مكونات نادرة لا تتوفر إلا مرة واحدة، لكن إذا لاقى العطر صدى حقيقياً لدى الناس، ألن يكون من المؤسف أن نتركه يختفي؟ برأيي، العطر الذي يلمس المشاعر يستحق أن يبقى.
كما أن أذواقنا تتغير مع مرور الوقت. كيف ترى ذلك؟
هذا تطور إنساني جميل، يحدث لنا جميعاً قد لا يعجبك شيء في البداية، وبعد سنوات تقع في حبه.
هذا ينطبق على الموضة، على الطعام وعلى العطر، وهو دليل على أننا ننمو، أننا نتعلم كيف نشعر، وهذا بالضبط هو دور المدير الإبداعي: ليس تغيير جوهر العلامة بل تطوير رؤيتها الجمالية، الروح تبقى لكن الوجه يمكنه أن يتغيّر.
هل تتابع توجهات العطور في السوق؟
أنا أشم كل شيء، لكي تكون مبدعًا فعلاً يجب أن تعرف ما هو موجود بالفعل، البعض يقول: “لا أشم شيئًا حتى أبقى حياديًا”، لكنني أرى أن ذلك خطر فقد ينتهي بك الأمر إلى تقليد شيء دون قصد.
ما الذي يمكننا توقعه من أمواج في المرحلة القادمة؟
لم يكن الطلب على أمواج في أي وقت مضى أكبر مما هو عليه الآن، نحن نعمل حالياً على افتتاح أكثر من عشر بوتيكات حصرية في أنحاء مختلفة من العالم، لكن الأمر لا يتعلق فقط بالرغبة في اقتناء منتجات منفردة بل برغبة أعمق في ما نمثله، وهذا يحمل بطبيعة الحال إغراء التوسع نحو مجالات جديدة، لكنه أيضاً يحمل مخاطرة إذ قد نفقد ما جعل أمواج قوية ومتفردة، هذا التفاني الشبه مهووس في فن العطور الراقية.
بالنسبة لي وهي قناعة يشترك فيها جميع أفراد الشركة يجب ألا يتم تخفيف مستوى التميّز بأي شكل، يجب أن نظل متخصصين ومتمسكين دون مساومة بتركيزنا على فن العطر.
نعم، قد نقدم منتجات مرافقة ولكن يجب أن تخرج من عالم العطر نفسه، لا أرى أمواج في القمصان ولا في حقائب اليد الجلدية ولا في السيارات، هذا ليس مجالنا، لكن ما أستطيع تخيّله بوضوح ونعمل عليه بالفعل هو الانتقال إلى مجالات تلامس حدود العلاج العطري الراقي.
اللبان والورد ليست مجرد مكونات عطرية بل أدوية، أجواء، طقوس، الارتباط بين العطر وفن الضيافة أيضاً شيء مثير، كيف يستقبلك المكان من خلال الرائحة؟ كيف يمكننا رواية قصة عبر الأجواء العطرية؟ ولكن في كل ما نقوم به يجب أن يؤدي الطريق دائماً إلى المركز إلى قلب فن العطور الراقية.
كنت اليوم على الشاطئ، ألوان الأصداف، الضوء، رائحة البحر، وفكرت لوهلة هذه هي أمواج.
وهذا بالضبط هو هدفي: أن لا تشم فقط رائحة عُمان بل أن تشعر بها.





