في عالم العطور حيث يلتقي الإبداع بالحرفية، يبرز اسم حبيب السويدي كأحد الشخصيات المؤثرة التي ساهمت في تشكيل مشهد العطور الفاخرة، من خلال خبرته العميقة ورؤيته الفريدة، استطاع أن يضع بصمته الخاصة، مستلهمًا من التراث العطري الشرقي، مع الحرص على تقديم ابتكارات تتماشى مع تطلعات عشاق العطور.
في هذه المقابلة الحصرية نغوص في أفكار حبيب السويدي حول تطور صناعة العطور، تأثير المكونات الشرقية، وأسباب تراجع الإبداع في السنوات الأخيرة، كما يشاركنا رؤيته حول مستقبل العطور، دور التسويق في نجاح العلامات التجارية، ورأيه في استحواذ الشركات الكبرى على دور العطور النيش.
رحلة شيّقة في عالم العطور مع حبيب السويدي، حيث الصراحة والشفافية في الحديث تكشف لنا الكثير عن هذا العالم الآسر.
١. كيف أثرت المكونات الشرقية على صناعة العطور الغربية؟
المكونات الشرقية موجودة منذ القدم، وهي ضمن أساسيات العطور مثل المر واللبان والعنبر والهيل والقرنفل ومسك حجر الجاوي وكثير من المواد الحيوانية، وللعلم اوروبا لاتمتلك المواد العطرية الطبيعية، أغلبها تأتي من مناطق الشرق: اليمن وعمان ومصر وتونس وجزر القمر وهناك الهند وإندونسيا خاصة قبل دخول المواد الكيميائية في صناعة العطور، ولكن ماتم إدخاله حديثا هو العود لأن العود كان مجهول بالنسبة للمختبرات الأوربية خاصة أنه لايمكن أن تجد زيت عطري بنفس المواصفات من استخلاص عطري إلى استخلاص آخر، والسبب نوعية الأخشاب وقدمها وكثير من العوامل ولكن مع عملية المزارع الحديثة لأشجار العود وحقنها بالبكتيريا الذي تعمل على إنتاج العود، فالأشجار بدئت تظهر نوعية يمكن استخلاص زيت عطري يمكن أن يحافظ على مواصفاته لفترة طويلة من إنتاج إلى إنتاج.
٢. ماهي الأساسيات التي كنت تحرص على توفرها عند صناعة عطر ما؟
كنت دائما أبحث أن أقدم شيء جديد مبتكر، أضيف فيه إلى عالم العطور بحيث أقدم فيه بصمة مختلفة، وكنت أول من استخدم المواد الشرقية بكثافة في عطوره خاصة من نهاية الثمانينيات من القرن الماضي وزادت في تسعينيات القرن الماضي أكثر، وما ساعدني أكثر هو أساتذتي الذين كان لهم تأثير كبير في فهم اتجاهاتي في التعامل مع الخليج العربي، وكان هناك دور كبير للأستاذ الكبير أرتورو لاندي وكذلك بيير بوردون وجان لويس سويزاك وروجيه بلجرينو وألبرتو مورياس وجان بير بتو والصديق العزيز الذي خسارناه في عالم العطور فرانسيس ديلمو، وبعدها مع بداية القرن الواحد وعشرين كنا أسسنا لمفهوم العطور الشرقية وكنا عملنا أول التركيبات العطرية حول العود.
٣. هل لك أن تحدثنا على التطور الذي حصل في عالم العطور خلال ال ٢٠ سنة السابقة؟
لا أعتقد أن هناك تطور كبير في عالم العطور، أنا أعتقد أن هناك تراجع كبير في عالم العطور، لأنه اختفى الإبداع في آخر عطرين تخاطب مع الرجال تم إنتاجهم قبل ٢٠١٠ وهي بلو شانيل وسوفاج، وآخر عطر نسائي هو لافي إيبل لانكوم من قبل عشر سنوات الباقي الموجود في السوق هو فلانكر، أعتقد أن الإبداع اختفى.
٤. ما الذي ينقص عالم العطور ليعود قويا كالسابق؟
أعتقد أننا ننتظر المغامرة في اتخاذ القرار بعيداً عن الدراسات السوقية، ويجب أن تبداء الشركات الكبيرة التي عندها القدرة على إيصال المنتج إلى النجاح بحملات تسويقية كبيرة.
٥. عندما كنت تصنع عطر ما، هل كان تفكيرك ينصب على إرضاء الذوق العام أم صناعة عطر بفكرة مميزة بغض النطر إن كان يعجب الكل.
لا، كنت دائما أفكر بالذوق العام للسوق وكنت أعرف احتياج المجتمع الخليجي الذي كان يتشوق إلى الابتكار والحداثة مع الحفاظ على هويته، وللعلم كل العطور التي أنتجتها لا تحمل ذوقي الخاص إطلاقا، كنت أفكر في الباقة العطرية التي أحب أن أشمّها على الآخرين وأن يتميز العمل عن الموجود.
٦. ما رأيك بعطور البدائل حتى وإن كانت من صناعة العطار نفسه؟
أنا لا أحب نظام البدائل ولا أستسيغه في أعمالي، ولماذا نبحث عن البدائل بينما يوجد هناك عطور متميزة وباسعار مناسبة جداً، وتكون أفضل حتى من الماركات العالمية، كلمات بدائل كلمة أوجدت سوقها السوشال ميديا، لكن الصح أن هناك عطر وهناك تقليد للعطر مالم يكن نسبة الإخراج فوق ٥٠٪ من التركيبة الأصلية.
٧. من هم العطارين المفضلين لديك، وترى أنهم أثروا عليك في صناعة العطور؟
كثير من العطارين وصعب تذكر بعضهم لأنهم كثير، ولكن من عاصرت أنا منهم صديقي وأستاذي جان لويس سوزاك وموريس روسيل وكارلوس بن نعيم والأستاذ القدير ميشيل ألميراك وألبرتو مورياس وجاك كافالييه وفرانسوا ديماشي وجان كلود إيلينا والسيد أوليفييه كرسب وصديقي العزيز دومينيك روبيون وكان له بصمات كبيره خاصة مع منطقتنا والسيد أرتورو لاندي، ومن النساء أيضاً هناك السيدة ديمتيل والسيدة صوفي لابيه والسيدة نتالي لورسون وآن فليبوا وأنيك ميناردو وكثير لايسعني ذكرهم، وهناك جيل حديث أتوقع منهم أن يضعوا فارق كبير في عالم العطور وهم كثير على كل حال نحن نتحدث عن ٦٠٠ عطار في العالم.
٨. ماهي العوامل المهمة التي تتحكم في جودة ونقاء العطر؟
المواد المستخدمة في العطر والباقة العطرية الذي تم تأليف التركيبة حولها، والأفضل من يستطيع أن يكيف كثير من المواد الطبيعية مع مواد كيميائية وعدم استخدام المواد المذيبة بنسبة كبيرة في العطر، لأنه إذا استخدمت ماده مذيبة بنسبة كبيرة حتى وإن عملت تركيز العطر فوق ٣٠٪ فهو لايعني شيء، لأنك في الأصل مخفف التركيبة بمواد مذيبة فقط لتعطي الشعور أن هناك زيت، هل تعرف أن عطر كوروس كان بتركيز ٧٪ وكثير من عطور الثمانيات من القرن الماضي وأحيانا أقل من ذلك وكان لها جودة عالية وعطور متميزة.
٩. ما هو تعريف العطر المميز بالنسبة لك؟
أن يحتوي على مواد طبيعية أكثر وأن تكون باقته العطرية مميزة وأن تكون مركبة حسب المواصفات العالمية لنظام الإيفرا.
١٠. ماهي العطور المفضلة بالنسبة لك؟
عطر دومينيك روبيون ماي كلامنتين، ولكن لا أنصح حد يشتريه قبل أن يجرب عينات العطر، لأنه عطر مستوحى من مواد ليمونية وبعض الأزهار والمسك وعلى كل ذوقي العطر، خاص بي أنا شخصيا وأنا من واحد في الألف في المجتمع الذي يحب نكهات ليمونية، لأنه نطلب الانسجام النفسي والانتعاش فهو عطر يعالج حالة نفسية لدينا يبعدنا عن الضغوطات النفسية، وأنا لا أستسيغ العود رغم أني سأطرح عطر عود أعتقد أنه سيكون الأفضل على مستوى الساحة العطرية، فقط استطعت تطويع العود الطبيعي بطريقة مميزة جداً مع العنبر والمسك.
١١. برأيك ما هو مستقبل صناعة العطور في السنوات المقبلة؟
سؤال لم نجد عليه إجابة وهذا السؤال يراودنا من عشرين عام مع كثير من العطارين، ولكن خليني أقول لك أننا الآن في مرحلة فاست فود والسوشيال ميديا، سرعة العمر الافتراضي للعطر والحياة جميعا، فلو نزل عطر الآن يمكنك بعد ساعة تتسائل عن عطر جديد لأنه اصبح قديم في نظر رتم الحياة.
١٢. لصناعة عطر مميز وفريد من نوعه، ماذا يلزم لفعل ذلك؟
أن يكون عندك نفس طويل وتنتظر التعديلات على فكرة عطرية، السيد دومينيك استغرق في إنتاج عطور ماركته خمسة أعوام بين تعديلات، وهناك عطور مازال يشتغل على تعديلها وهناك عطور لشركات عالمية بدأوا بالعمل عليها من عام وسوف يتم نزولها بعدها بعام، واستغرقنا نحن في رين دي سباء تقريباً عاميين، وساعدنا أيضاً أن خلال هذه الفترة كانت الأسواق مغلقة وكان عندنا مساحة في تسريع أي تعديلات إن وجدت.
١٣. ماهي أسباب ارتفاع أسعار العطور من وجهة نظرك، ومالذي يجعل سعر العطر غالي، وعلى ماذا يعتمد ارتفاع أسعار العطور؟
اليوم أن تشتري علبة العطر الخشبي أكثر من أن تشتري العطر وكذلك تشتري كلمة اسمها نيش، ولكن هناك عطور رخيصة ومميزة وجميلة، ولكن هناك أيضاً تكلفة التسويق وأسعار الإيجارات للمحلات وكثير من العوامل الأخرى.
١٤. وأخيرا وهذا السؤال التسويقي، ما رأيك بشراء شركة لوريال حصة أقلية من دار أمواج؟
أمواج شركة جميلة وعريقة عربيا وكلنا نعتز بها، ولكن إن صدق الخبر فذلك يعتبر انتكاسة لهذه الماركة خاصة إذا كان هناك تدخل من لوريال في إدارتها وفي طريقة تطوير المنتجات فسوف تنتقل من قرار اختيار الابتكار والحداثة إلى عالم التسويق، ولوريال ضعيفة جداً في إدارة شركات النيش، وهناك تجارب كثيرة لماركات فشلت بعد استحواذ لوريال عليها.
من خلال هذه الرحلة العطرية مع حبيب السويدي، لمسنا بوضوح شغفه الكبير بعالم العطور ورؤيته العميقة التي تجمع بين الابتكار والهوية العطرية الأصيلة، رأيه الصريح حول تطورات الصناعة، تأثير التسويق، وأهمية الجودة والتميز يعكس خبرة طويلة ووجهة نظر تستحق التأمل.
في عالمٍ أصبح فيه العطر جزءًا من التعبير عن الذات، تبقى شخصيات مثل حبيب السويدي علامة فارقة، تدافع عن الإبداع الأصيل وترفض الرضوخ لموجات التكرار السائدة. وبينما يواجه عالم العطور تحدياته، يظل الأمل معقودًا على صُنّاع العطور الحقيقيين، الذين يسعون لابتكار تجارب عطرية تبقى في الذاكرة.
شكرًا لحبيب السويدي على هذه الجلسة العطرية الغنية، ونتطلع إلى مزيد من الإبداعات التي تحمل بصمته الفريدة في عالم العطور.