من نيويورك إلى مسقط، لتحويل دار العطور العمانية إلى نجاح عالمي، المدير الإبداعي لأمواج رينو سالمون يروي قصته، بين تحديات جديدة وطقوس قديمة.
ربما يعود ذلك إلى محاولتها الشعرية لربط السماء بالأرض، لكن الجبال لطالما كانت فضاءً مخصصًا للتأمل، وهذا ينطبق أيضًا على مسافر متمرس مثل رينو سالمون، المدير الإبداعي لدار العطور العُمانية “أمواج”، الذي تأثر بشدة باستكشافه لـ”جبل شمس” – أعلى نقطة في سلطنة عُمان – لدرجة أنه قرر ترجمة هذه التجربة إلى عطر بل إلى عطرين: Decision وExistence، واللذين تم ابتكارهما بالتعاون مع العطّار الشهير كونتان بيش.
“كنت أعلم أنني متصل بالأرض، ومع ذلك شعرت وكأنني أطفو، كنت مشوشًا ولكن في الوقت نفسه غريبًا ما كنت أشعر بالسكينة والحرية”، هكذا يصف سالمون رحلته إلى جبل شمس على ارتفاع يبلغ نحو ٣٠٠٠ متر.
نلتقيه – وليس من قبيل الصدفة – في “بونتا هيلبرونير” على جبل مون بلان (بارتفاع ٣٤٦٢ مترًا)، حيث دعانا لاكتشاف العطور الجديدة بالتعاون مع Olfattorio Bar à Parfums، وهي شركة تورينية توزّع عطور أمواج حصريًا في إيطاليا، وملتزمة منذ أكثر من ٤٠ عامًا بعالم العطور الفنية والعناية الفاخرة بالبشرة.
“كنت آتي كثيرًا إلى هنا في العطلات عندما كنت طفلًا”، يقول سالمون المولود في بلجيكا والمقيم اليوم في مسقط، “كان والداي يُجبِراني على القيام برحلات مشي طويلة أصبحت اليوم ذكريات ثمينة؛ وعندما فقدتهما أدركت أن تلك الذكريات هي كل ما أملك، كثيرًا ما نتذكّر الروائح المرتبطة بالتجارب المهمة في حياتنا”.
وصل إلى عالم العطور قادمًا من مجال الموضة، إذ كان يطمح لأن يصبح مصمم أزياء وبدأ مسيرته بالعمل مع علامة مختصة بالإكسسوارات الجلدية، وفي عام ٢٠٢٠ تولّى رينو سالمون منصب المدير الإبداعي في دار أمواج خلفًا لكريستوفر تشونغ، مساهِمًا في نجاح علامة تُعد من رموز العطور الراقية العربية ومن الأيقونات في عالم العطور النيش.
يقول :”الوصول إلى مسقط قادمًا من نيويورك كان رحلة مذهلة، لقد جعلتني مصانع أمواج وكاتالوغها وأرشيفها أعشق العطور أكثر، رغم أن هذا مجالي منذ ما يقارب العشرين عامًا، كانت هناك تحديات كثيرة، بدءًا من نقص المواد الخام بسبب كوفيد، لكنني أعتقد أن أمواج اليوم تتألق كما لم تفعل من قبل”.
لقد عشت في أوروبا وأمريكا واليوم تقيم في عُمان: كيف يختلف التعامل مع العطور في كل منطقة من هذه المناطق؟
العيش في بلدان مختلفة ساعدني على إدراك أن العطر ظاهرة ثقافية، على سبيل المثال عندما وصلت إلى عُمان اكتشفت أن الورود هنا يرتديها الرجال بقدر ما ترتديها النساء.
تصوّراتنا عن الروائح ليست عالمية، ومن المهم أن نتذكر ذلك عند الإبداع، ولهذا السبب يُعد السفر والبحث والتوثيق أمرًا مهمًا جدًا بالنسبة لي، فأنا أحرص دائمًا على أن أُبقي ذهني منفتحًا.
أمواج أعادت تعريف فن العطور العربية الفاخرة: كيف تولد عطورها؟
تأسست أمواج قبل ٤١ عامًا لأن سلطانًا (سيد حمد بن حمود البوسعيدي، وكان حينها وزيرًا في الحكومة، المحرر) أراد أن يقدم هدية فريدة للشخصيات المهمة الزائرة لعُمان، فقرر إنشاء عطور خاصة.
في البداية لم تكن العطور معروضة للبيع بل كانت تُقدّم كهدية فقط، ولهذا اشتهرت العلامة باسم “هدية الملوك”، ومع مرور الوقت أصبح مسار أمواج ذا شأن كبير ليس فقط في شبه الجزيرة العربية بل في جميع أنحاء العالم، اليوم أشعر بفخر كبير وأنا أرى بلدًا صغيرًا مثل عُمان يُحدث هذا التأثير الكبير على صناعة العطور عالميًا.
في الآونة الأخيرة، أصبحت العطور العربية رائجة حتى في أوروبا…
مفهوم الهالة العطرية في أوروبا اليوم لم يعد مقبولًا فحسب، بل يُحتفى به كوسيلة للتعبير عن التفرّد وتقدير صانعي العطور وهذا أمر مثير للاهتمام، ومع ذلك لا يزال العطر في الغرب يُستخدم كآخر لمسة قبل مغادرة المنزل، بينما في الشرق الأوسط يُعد جزءًا أساسيًا من كل لحظة في اليوم ويتم وضع طبقات متعددة منه، يبدأ الأمر بما يُعرف بالبخور وهو دخان يُستخدم كأساس ثم يُوضع عطر أو دو برفيوم أو مستخلص ثم يُضاف الزيت العطري، لكن هذا لا ينتهي هنا: فالعطر يرافق الإنسان طوال اليوم، في طقوس غسل اليدين بماء الورد، وفي الأطباق المحلية، أي أن العطر في الشرق الأوسط مفهوم مركّب، وهو جزء لا يتجزأ من كل شيء.
أمواج هي العلامة العطرية التي تسجل النمو الأقوى في عُمان، لكن على مستوى العالم نشهد نموًا في العطور النيش والفنية، برأيك ما سبب هذا الاتجاه الإيجابي؟
أعتقد أن شيئًا ما تغيّر بعد الجائحة، إذ أدرك كثير من الناس أنهم لا يريدون أن يمر يوم دون ارتداء عطر مميز.
في الماضي كانت العطور الفنية تُستخدم فقط في المناسبات الخاصة، أما الآن فالناس يريدون أن يجعلوا كل يوم مميزًا، هذا ينطبق بشكل خاص على الأجيال الجديدة، فالمراهقون اليوم لديهم وعي عالٍ بثقافة العطور ويشعرون بسحر كبير تجاه عالمها.
كيف ترى مستقبل العطور الفنية؟
أعتقد أن تطور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى ازدهار في عدد الإبداعات، وهو أمر قد يكون مخيفًا لأن السوق اليوم أصلًا مليء بالإصدارات والمنتجات، ولهذا سيصبح دور القيّمين أكثر أهمية، في المستقبل سيكتسب المحررون وصنّاع المحتوى والموزعون وزنًا أكبر، وسيحتاج البائع إلى اختيار تشكيلته بعناية أكبر من أجل إعادة الإحساس بالإثارة إلى تجربة التسوق، لا شيء أكثر مللًا من أن تجد نفس العطور في أماكن بيع مختلفة كالمتاجر الصغيرة والمولات والمطارات.
الفصل الأخير من مجموعة Odyssey من أمواج المخصصة لفكرة الرحلة يأخذنا إلى أعالي الجبال مع Decision وExistence: كيف تصف هاتين العطريْن؟
كلاهما يتحدث عن الخلود والإرث، ويحوّلان رحلة الصعود إلى أعلى قمة في عُمان إلى إحساسات عالمية.
في Decision يثير مشهد الغيوم الكثيفة التي تقترب من الأعلى وأشجار العرعر التي يلامسها الضوء من الأسفل تأملًا في مفارقة القرارات المصيرية، بين الحسم والاحتواء.
أما Existence فهو يأتي من التأمل بعد بلوغ القمة: هل ما نراه أمامنا موجود فعلًا؟ أم أنني وحدي من أراه؟”.
هل تنصحنا بعطر لمن يقترب من عطور أمواج لأول مرة؟
أعتقد أن العطرين الجديدين مناسبين جدًا كبداية، أما إذا نظرنا إلى الكاتالوغ، فهناك عطور تعبّر جيدًا عن فلسفة السخاء التي تتبناها أمواج مثل Reflection Man بجماله المضيء و Guidance، بتركيبته الإدمانية، وهناك أيضًا عطور تُجسّد أجواء أكثر عتمة وعمقًا مثل Epic Woman أو Interlude.





