رينو سالمون لا يفرض نفسه على العطر بل ينصت له، كمدير إبداعي لدار أمواج يعمل في المساحة الفاصلة بين النية والحدس، حيث تتقاطع الذاكرة والعاطفة والحِرَفية، مقاربته للعطر ترفض الضجيج وترفض العجلة، وبدلًا من ذلك تحتضن ما هو أندر: العمق والسكون والمعنى.
في هذا الحوار يتأمل رينو في الصدفة والحزن والإرث والوزن العاطفي الذي يمكن أن يحمله العطر، من مخبز في مسقط إلى ذاكرة عطر والدته، يُذَكّرنا أن العطر ليس مجرد رائحة بل هو الزمن والحضور وما يبقى بعد أن يتلاشى كل شيء آخر.
لقد عملت في مجالات الفخامة والإبداع. كيف انتهى بك المطاف في عالم العطور؟ هل كان هذا هدفك من البداية؟ أم أنه حدث بالصدفة؟
لا، أبدًا في البداية كنت أرغب أن أكون مصمم أزياء هذا كان حلمي، لكن والديّ كانا يعارضان ذلك لأنهما كانا يرون أن الموضة سطحية، وكانا يعتقدان أنني سأجد نفسي في صناعة مليئة بأناس سطحيين، لكنني رغم ذلك كنت أريد أن أتابع حلمي، وبالصدفة مُنحت مسؤوليات مبكرة تتعلق بالعطور أثناء عملي في بيوت أزياء كبيرة، وهناك اكتشفت كم أحب هذا المجال تحديدًا كل ما يتعلق بالعطور والخامات والفن وتمسكت به، وحتى الآن ما زلت أشعر أن هناك الكثير لاكتشافه.
هذا مثير، خاصة حين تتحدث عن السطحية – أشعر أن هذه أكبر معركة أواجهها يوميًا، كلما تعمقت أكثر في عالم الموضة، شعرت أكثر بجانبها السطحي، وكما قلت حين يقرر مصممو الأزياء إطلاق عطر، غالبًا ما يكون الأمر سطحيًا – مجرد وضع اسم على زجاجة، لذا أفهم تمامًا وجهة نظرك، ولهذا أؤمن أن الصدفة تلعب دورًا كبيرًا في الإبداع – سواء كنت مصمم أزياء أو صانع عطر، هل شعرت بلحظات من “الصدفة الجميلة” في عملك – ربما منذ انضمامك لأمواج؟
نعم، أعتقد ذلك، هذا موضوع واسع له علاقة بالحياة والمصير والإيمان، أعتقد أن الأشياء تحدث لسبب ما، حتى وإن لم تتمكن من السيطرة على كل شيء، إذا كنت تؤمن بشيء وتبذل الجهد وتحاول ترتيب النجوم قدر الإمكان، نعم تمضي الأمور غالبًا في الاتجاه الصحيح، ووجودي في أمواج يبدو كذلك بالنسبة لي.
في الواقع إنه أمر مرعب حين أفكر فيه، وُلدت في قرية صغيرة في بلجيكا وعائلتي بأكملها عبر الأجيال عاشت هناك، أخي لا يزال يعيش هناك، ومع ذلك ها أنا الآن في مسقط، عُمان أمارس شيئًا مختلفًا تمامًا، بعد أن عشت في نيويورك وجنيف، الحياة تحمل شيئًا غريبًا.
يمكننا أن نسمي ذلك “الصدفة الجميلة”، نعم.
بالتأكيد، لكنه أيضًا تذكير بمدى عمق الحياة وعدم قابليتها للتوقع ومدى الاحتمالات التي يملكها كل فرد.
بالطبع كنت محظوظًا، لم يكن ينقصني شيء في طفولتي، لكنك تدرك أن مسارك ما ستقوم به في النهاية هو مزيج من النية القوية والرؤية والشغف، وأيضًا الحوادث السعيدة التي ترميها لك الحياة.
نعم، هذا مثير جدًا، الآن بالنسبة للعلامة – أمواج – هل تصنفها كعلامة “نيش”؟
أعتقد ذلك، رغم أن كلمة “نيش” غالبًا ما تُستخدم للإشارة إلى الحجم أو التوفر، بالنسبة لي ما يهم هو “العطور الرفيعة” – أي خلق عطور بجودة حقيقية.
هل تشعر بضغط معين لنشر اسم أمواج على نطاق أوسع؟ العلامة تنمو بوضوح، هل هناك دفع لجعل أمواج اسمًا مألوفًا عالميًا؟
نعم، هناك توقعات بالتأكيد، مسؤوليتي في أمواج هي أن أفعل ما هو صحيح لصناعة العطور، أمواج تحمل مسؤولية، إذا لم تكن علامات مثلنا تبتكر مستقبل صناعة العطر، فمن سيفعل؟ لقد شهدنا مؤخرًا فيضًا من الإصدارات والضجيج.
في بعض الأحيان أصبحت العطور تُعامل كسلعة ولم تعد مميزة، شيء كان في الأصل تعبيرًا فنيًا أصبح أداة تجارية لتمويل نشاطات أخرى مثل الحقائب وهذا مؤسف، لأنه يقلل من دور العطر.
مهمتي هي إثبات أن العطر لا يزال يمكن أن يكون تعبيرًا فنيًا عميقًا شيئًا يرتقي بالعلامات وبالناس.
بعض عطوركم معقدة – ليست سهلة “الارتداء”، أنا شخصيًا أختار العطر بحسب المزاج أو المناسبة، هل تخلق العطور لتُرتدى يوميًا، أم أنها أقرب إلى قصص تكتشفها ببطء؟
سؤال جيد، في النهاية العطور من الفنون التطبيقية تعيش في حياة الناس اليومية، أنا لا أخلقها كتحف فنية لتبقى على الرفوف، طبعًا بعض الناس يقولون إنهم يرتدون أمواج فقط للمناسبات الخاصة، لكن بالنسبة لي هذا أمر محزن قليلًا، أريد أن تصبح إبداعاتي جزءًا من هوية الناس اليومية أن تتردد وتُتذكر، هذا أكثر إرضاءً من أي مراجعة أو جائزة.
وبما أننا نتحدث عن المراجعات – هل تجد نقد العطور ذا مغزى، رغم أن العطر تجربة ذاتية جدًا؟
هناك دائمًا مزيج بين الذاتي والموضوعي في أي نقد تمامًا كما في السينما، بعض الجوانب التقنية يمكن الحكم عليها بموضوعية مثل التشابه مع عطور أخرى أو الابتكار أو جودة المواد، لكن الاتجاه الجمالي هذا أمر ذاتي.
وظيفتي هي الحفاظ على حِرَفية أمواج والارتقاء برؤيتها الفنية.
لاحظت أيضًا أن لديك ذوقًا بصريًا قويًا خاصة على انستجرام، كيف تؤثر عليك الفوتوغرافيا في الإبداع؟
التصوير هو ترجمة بصرية للخيارات الجمالية، على سبيل المثال لا أحب الصور المشبعة جدًا أو ذات التأثيرات العالية صوري أكثر هدوءًا، هذا ينطبق على العطر أيضًا، بعض العطور حادة ومتناقضة، أخرى فيها غموض وعمق، الفوتوغرافيا تساعد الناس على فهم جماليات العطر لأننا نرتاح أكثر لاستخدام أعيننا من أنوفنا.
بالضبط، بعض العطور “مضيئة” أكثر من اللازم – تكشف كل شيء دفعة واحدة، بينما يحتاج البعض الآخر وقتًا ليتطور، أُقدّر هذا التشبيه بين التصوير والعطر، هل حدث يومًا أن صنعت عطرًا ووجدته “أكثر من اللازم” لطرحه في حينه؟
نعم، خاصة حين انضممت لأمواج – كنت مترددًا أن أبتعد كثيرًا عن ما كنت أظنه “أسلوب العلامة”، لكنني لاحقًا أدركت أن أمواج هي أقرب لفلسفة وليس لأسلوب محدد، هذا فتح أمامي الكثير من الإمكانيات الإبداعية مع عطور مثل Ovation و Existence، تجرأت على استكشاف ما كنت أظنه مستحيلًا سابقًا بالنسبة للعلامة.
هذا منطقي، بعض العطور مكثفة وثقيلة، وأخرى خفيفة وسهلة الارتداء، دعنا نعود لقوة العطر العاطفية، هل هناك عطر لا تستطيع ارتداءه بسبب شحنه العاطفي الشديد بالنسبة لك؟
نعم كل ما يتعلق بوالدتي التي توفيت مؤخرًا، كانت ترتدي عطورًا معينة في رحلاتنا معًا، مجرد نوتة واحدة من تلك العطور تعيد كل الذكريات – كأنها ندبة محفورة في الذاكرة، أحيانًا يستخدم العطّارون موادًا أطلب منهم إزالتها – ليس لأنني لا أحبها، بل لأنها تثير مشاعر قوية جدًا تجعلني غير قادر على العمل معها.
أستطيع التماهي معك، بالنسبة لي إنها رائحة زهر البرتقال، نشأت في الريف وكان لدينا شجرة برتقال ضخمة في حديقتنا، تلك الرائحة تجلب لي السلام والطمأنينة – إنها شخصية جدًا، هل سبق أن أنشأت عطرًا جاء نتيجة صدفة خالصة؟
نعم مع Love Delight، بعد فترة قصيرة من انتقالي إلى مسقط، كنت في مخبز، بينما كنت أراجع بريدي الإلكتروني التقطت أنفي رائحة مدهشة، التفتُّ لكن لم يكن هناك أحد، كانت تأتي من المطبخ حيث فتحوا الفرن المليء بالكيك، لكنها لم تكن رائحة كيك غربي، كانت رائحة عطر – ورد، زعفران، زهر برتقال، مكسرات، عسل، فانيليا… تلك اللحظة أصبحت مصدر إلهام لعطر Love Delight – عطر مستوحى من الحلويات الشرقية.
هذا رائع، كان لا بد أن تكون هناك، في ذلك اليوم، في ذلك المخبز تحديدًا، صدفة جميلة أخرى، الآن لو أزلنا الشعار والتسويق وكل ما يعرفه الناس – ما هو جوهر أمواج؟
الكرم. الضيافة. الإيثار، قد يبدو غريبًا أن تصف علامة تجارية بكلمات تستخدم عادة للبشر، لكنني أعتقد أنها مناسبة، الإيثار يعني خلق شيء يمنح أكثر مما يأخذ شيء يترك صدىً.
وبالنسبة للعمل التجاري ما القادم؟ كمدير إبداعي، أشعر أحيانًا أنني استكشفت كل شيء، ثم فجأة تظهر فكرة جديدة، ماذا بعد بالنسبة لك؟
بالنسبة لي، ما زال هناك الكثير لاستكشافه في حِرَفية العطر، اليوم كل شيء – من الصور إلى العطور – يبدو مصقولًا أكثر من اللازم بفعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، أي شخص يمكنه أن يصنع عطرًا يرضي الكثيرين، لكننا نخسر المخاطرة والعاطفة والجودة، ولهذا أنا مهووس بكيفية التميز – ليس عبر الحِيَل، بل من خلال الحِرفة الحقيقية، الأمر يتعلق بمقاومة الضجيج والثقة بما نفعله، والإيمان أننا نصنع أفضل منتج – لأن هذا هو الأساس الوحيد الذي يهم.





