
هناك عطور تطلب منك أن تفهمها قبل أن تحبها، وهناك عطور تحبها قبل أن تفكر في فهمها، ولزمن طويل ظل النوع الثاني يعامل كأنه أقل شأنا، وكأن العطر لا يستحق التقدير إلا إذا كان معقدا وصعب الفهم، من هذه المسافة المهملة بين الفخامة المعقدة والمتعة البسيطة خرجت كيالي، واسمها يعني بالعربية “خيالي”.
من رحم هدى بيوتي
ولدت كيالي في دبي في نوفمبر ٢٠١٨، حين أطلقتها الأختان منى وهدى قطان تحت مظلة هدى بيوتي بأربعة عطور أولى، كان من بينها فانيلا 28 ومسك 12.
منى قطان أمريكية من أصل عراقي، ولدت في أوكلاهوما لأبوين عراقيين، وانتقلت عائلتها إلى الإمارات عام ٢٠٠٣، درست المالية في الجامعة الأمريكية بالشارقة، وعملت في القطاع المصرفي قبل أن تشارك أختيها في تأسيس هدى بيوتي، ويقال إنها اختارت اسم العلامة بالتعاون مع والدها إبراهيم قطان، أما القوارير الماسية الشكل فتستعير هيئة قوارير العود البلورية المعروفة في أسواق دبي، فيما تشير الأرقام الملحقة بأسماء العطور إلى عدد مرات تعديل التركيبة قبل أن تستقر على صيغتها النهائية، وفي قلب الفكرة كلها طقس عربي قديم نعرفه جيدا: تطبيق العطور طبقة فوق طبقة، حتى تصنع كل امرأة رائحتها الخاصة.
ثغرة كانت أمامنا جميعا
أذكر جيدا كيف كنا نذهب إلى محلات الملابس الداخلية مثل فيكتوريا سيكرت ونعومي بحثا عن عطور لذيذة وجذابة بعيدة عن تعقيد النيش، وأحيانا إلى محلات عطور الجسم مثل باث آند بودي ووركس، كانت الشريحة التي تحب هذا النوع من الروائح واسعة، لكن لم يكن لها حضور مماثل في عالم العطور الراقية.
ما فعلته كيالي في رأيي، أنها أخذت هذا الميل وحولته إلى تخصص قائم بذاته، فلم تكتف بالحلاوة والجاذبية، بل قدمت هذه الروائح بتركيبات أكثر تركيزا وأداء يدوم لفترة أطول، ونقلتها من عالم عطور الجسم الخفيفة إلى عالم العطور المتخصصة.
اختارت الفانيلا تحديدا، تلك الرائحة المرتبطة في الذاكرة بالدفء والحلوى والسعادة، لتكون حجر الأساس ثم توسعت في عائلة العطور الشهية، من المارشملو والفستق إلى الكراميل والكرز، وكأنها تقول للمرأة إن الفرح ليس سذاجة، وإن العطر لا يحتاج دائما إلى التعقيد حتى يكون جديرا بالاهتمام.
الأولى في سيفورا
لم يبق هذا الرهان مجرد انطباع، ففي سيفورا بالولايات المتحدة تصدرت كيالي علامات العطور من حيث المبيعات منذ بداية عام ٢٠٢٥ متقدمة على سول دي جانيرو وإيف سان لوران، بحسب بيانات شركة يبيتداتا المتخصصة في تحليل سلوك المستهلكين، وصعد عطرها يم بوجي مارشملو 81 ليصبح العطر الأكثر مبيعا في سيفورا خلال الفترة من يناير إلى أغسطس ٢٠٢٥، بمبيعات قدرت بأكثر من ١١ مليون دولار، صحيح أن الأرقام المنشورة جزئية ولا تغطي العام كاملا، لكنها كافية لتوضح كيف استطاع عطر ينتمي إلى فئة الروائح الشهية أن يتقدم على أسماء عريقة في السوق.
الاستقلال
في ١٧ فبراير ٢٠٢٥ أعلنت هدى بيوتي بيع حصتها في كيالي، لتصبح العلامة شركة مستقلة تملكها منى قطان بالشراكة مع شركة جنرال أتلانتك المتخصصة في الاستثمار بالشركات النامية، فيما احتفظت منى بمنصب الرئيسة التنفيذية، ولم تعلن قيمة الصفقة أو نسب الملكية.
وفي أكتوبر من العام نفسه، أطلقت كيالي موقعها الإلكتروني المستقل للمرة الأولى، بعد سنوات اعتمدت فيها على قنوات البيع التابعة لشركائها، وكانت هذه الخطوة انتقالا مهما من علامة نشأت داخل مجموعة تجميلية إلى شركة تبني حضورها وقنواتها التجارية بصورة مستقلة.
من دبي إلى الرفوف الكبرى
تقول كيالي إن شراكتها مع سيفورا الممتدة منذ ثماني سنوات، تشمل اليوم أكثر من ٣٠ دولة ونحو ٣٠٠٠ متجر حول العالم، وفي الولايات المتحدة توسعت العلامة في أكتوبر ٢٠٢٥ من ٢٠٠ فرع إلى ١١٠٠ فرع من فروع سيفورا داخل متاجر كولز، وفي بريطانيا وأيرلندا وصلت عام ٢٠٢٤ إلى ٤٠٢ من متاجر بوتس، ثم دخلت سبيس إن كيه في مارس ٢٠٢٦ عبر موقعها الإلكتروني و١٩ متجرا، كما أصبحت حاضرة في هارودز وسيلفريدجز اللذين يقدمان تشكيلة واسعة من عطورها، واستضافت سيلفريدجز في يوليو ٢٠٢٦ معرضا مؤقتا قدمت فيه كيالي عطرها بوجي كيتي كراميل ميلك 22 قبل إطلاقه عالميا.
الصين: اختبار السوق الأصعب
في ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦، دخلت كيالي السوق الصينية حصريا عبر سيفورا في أكثر من ٣٠٠ متجر وعلى منصاتها الرقمية، بسبعة عطور في البداية، على أن تضاف تسعة عطور أخرى في نوفمبر، وأعلنت العلامة طموحها إلى أن تصبح واحدة من أهم ثلاث علامات للعطور في سيفورا الصين، وبحسب مجلة إيل الصينية احتلت كيالي المركز الرابع بين علامات العطور في سيفورا الصين خلال أسبوعها الأول، وتصدرت المبيعات في ١٩ متجرا، وهو دخول مهم لعلامة اختارت أن تختبر قدرتها على نقل هويتها العطرية إلى سوق مختلف، له ذائقته ومنافسوه.
بيت للسعادة
في وقت تتسابق فيه العلامات العالمية على إصدار أثقل التركيبات الشرقية، حتى كادت بعض العطور تتشابه في رائحتها، اختارت كيالي أن تسير في الاتجاه الآخر، رغم أنها ولدت من رحم الشرق الأوسط، صحيح أن لديها خطا من عطور العود، لكنها لم تجعله هويتها الأساسية، فقد رأت ما غفل عنه غيرها: شريحة واسعة لا تبحث عن الثقل والتعقيد، بل عن البهجة والمتعة، لذلك توقفت عند الفانيلا والروائح الشهية، وتعمقت فيها حتى صار اسمها مرتبطا بهذا النوع من العطور.
وهذا هو جوهر التخصص: أن تعرف ما تجيده، وأن تبقى وفيا له حين يغريك السوق بأن تكون كل شيء، فالعلامة التي تعرف نفسها تعرف طريقها إلى جمهورها، وكيالي عرفت جمهورها مبكرا، ومنحته بيتا عطريا خاصا بعد أن ظل مشتتا بين رفوف بعيدة عن عالم العطور المتخصصة.