
عندما تصبح التكنولوجيا حليفًا للطبيعة
تبدأ حكاية كثير من العطور الفاخرة بمادة طبيعية ثمينة، وقد يكون مصدرها شجرة تعرضت للأذى، ومن أبرز الأمثلة على ذلك العود أو خشب العود، الذي يتكون عندما تتعرض بعض أشجار جنس Aquilaria للإصابة أو التلف، فتنتج راتنجًا داكنًا ذا رائحة مميزة.
تُعد هذه المادة من أثمن المواد الخام في صناعة العطور، وقد أدى الطلب المرتفع عليها، إلى جانب قيمتها التجارية الكبيرة، إلى قطع أعداد من الأشجار البرية بصورة غير قانونية، الأمر الذي ساهم في تراجع تجمعات أشجار Aquilaria في موائلها الطبيعية.
لكن ماذا لو أصبح بالإمكان إعادة إنتاج الرائحة دون الحاجة إلى قطع الشجرة أو استخراج الراتنج منها؟
هذا السؤال أصبح محور اهتمام مجموعة من العلماء وشركات التكنولوجيا الحيوية، الذين يعملون على توظيف الذكاء الاصطناعي والهندسة البيولوجية لفهم الروائح الطبيعية وإعادة إنتاج مركباتها العطرية، وربما توفير بدائل لبعض المواد التي يصعب الحصول عليها بصورة مستدامة.
Osmo: عندما يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة رائحة شجرة
تُعد شركة Osmo، وهي شركة تقنية انبثقت من أبحاث Google Brain، إحدى الشركات التي تعمل على تطوير الذكاء الاصطناعي لفهم الروائح والتنبؤ بها وإعادة إنتاجها.
وتتمثل فكرتها في استخدام تقنيات التحليل الطيفي لدراسة العينات العطرية، ثم توظيف نماذج الذكاء الاصطناعي لإعادة بناء التركيب الكيميائي المسؤول عن الرائحة.
وبحسب مؤسس الشركة أليكس ويلتشكو (Alex Wiltschko)، تمكن الفريق من إعادة إنتاج رائحة شجرة نادرة انطلاقًا من قطعة صغيرة من لحائها لا يتجاوز حجمها حجم الإصبع.
بدأت العملية بتحليل العينة باستخدام جهاز التحليل الطيفي، ثم استعان الباحثون بالذكاء الاصطناعي لإعادة بناء الصيغة الكيميائية للمركبات المسؤولة عن الرائحة، قبل إعادة تركيبها داخل مختبر الشركة.
وتكمن أهمية هذا التطور في إمكانية دراسة روائح مواد طبيعية نادرة دون الحاجة إلى جمع كميات كبيرة منها.
كما جمعت الشركة بيانات تتجاوز خمسة ملايين استجابة بشرية للروائح لتدريب نماذجها على التنبؤ بكيفية إدراك الإنسان لمجموعات مختلفة من الجزيئات العطرية.
وهذا يعني أن دور الذكاء الاصطناعي لم يعد مقتصرًا على التعرف على الجزيئات الموجودة، بل يمتد إلى التنبؤ بالطريقة التي قد نشم بها جزيئات أو تركيبات لم يسبق اختبارها.
Sciences: إنتاج المواد العطرية دون زراعة النبات الأصلي
هناك مسار آخر أكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا الحيوية، تعمل عليه شركة BioHarvest Sciences.
فبدلًا من إعادة بناء الرائحة اعتمادًا على تحليل العينات والذكاء الاصطناعي فقط، تتجه الشركة إلى استخدام زراعة الخلايا النباتية لإنتاج المركبات العطرية.
وتقول الشركة إنها تمكنت من إنشاء مزرعة خلوية مستقرة مأخوذة من نبات عطري مهدد بالانقراض في جنوب شرق آسيا، بحيث يمكن إنتاج المركبات العطرية القيمة التي يحتوي عليها النبات دون الحاجة إلى زراعته بالكامل أو حصاده من الطبيعة.
ولم تكشف الشركة عن اسم النبات لأسباب تجارية.
ومن التفاصيل اللافتة أن الشركة أعلنت عن اتفاق يستهدف إنتاج نحو ٢٠ طنًا من التركيبة العطرية، مع إمكانية بدء الإنتاج المحدود خلال عام ٢٠٢٧.
وترى الشركة أن هذه التكنولوجيا قد تساعد على معالجة إحدى المشكلات الأساسية التي تواجه صناعة العطور: الطلب البشري على المواد الطبيعية يمكن أن يتزايد باستمرار، بينما تظل الموارد البيولوجية محدودة.
وبالتالي، قد توفر التكنولوجيا الحيوية وسيلة لإنتاج بعض المواد العطرية بكميات أكثر استقرارًا، دون وضع المصدر الطبيعي تحت ضغط متواصل.
من الزهور المنقرضة إلى العطور الجديدة
يقتصر استخدام التكنولوجيا على إعادة إنتاج روائح النباتات الموجودة حاليًا، بل يمتد إلى محاولة استعادة بعض الروائح المرتبطة بنباتات لم تعد موجودة.
ومن الأسماء التي تناولها التقرير كريستينا أغاباكيس (Christina Agapakis)، التي عملت على إعادة بناء جينات مسؤولة عن إنتاج الروائح في زهور محفوظة، بهدف الوصول إلى مركبات عطرية يمكن استخدامها في ابتكار عطور جديدة.
وتفتح هذه الأبحاث مجالًا مثيرًا للاهتمام أمام العطارين، إذ يمكن أن تتيح لهم استكشاف جوانب شمية كانت مرتبطة بنباتات اختفت من الطبيعة.
لكن إعادة بناء جين مسؤول عن إنتاج مركب عطري لا تعني بالضرورة استعادة الرائحة الأصلية للزهرة بكامل تعقيدها.
Society: عطور مستوحاة من ميكروبات السحب
ومن أكثر التجارب غرابة وإثارة للاهتمام ما قامت به شركة Future Society.
فبدلًا من البحث عن المواد العطرية في النباتات أو الأشجار، اتجهت الشركة إلى السماء.
أجرى فريقها رحلتين بطائرة صغيرة لجمع عينات من الكائنات الدقيقة الموجودة في السحب، وتمكن من تحديد ١٣ نوعًا من الميكروبات التي أنتجت مجتمعة ٥٧ جزيئًا عطريًا.
وأصبحت هذه الجزيئات نقطة انطلاق لتطوير عطر يحمل اسم Cloud Reverie طُرح خلال عام ٢٠٢٦.
تقدم هذه التجربة تصورًا مختلفًا لمصادر الإلهام العطري؛ فالمواد التي يمكن أن يستكشفها العطار لم تعد محصورة في الزهور والأخشاب والراتنجات، بل قد تشمل أيضًا الكائنات الدقيقة الموجودة في البيئات الطبيعية.
هل تستطيع التكنولوجيا إعادة إنتاج الطبيعة بالكامل؟
على الرغم من هذه التطورات، فإن هناك تحفظات مهمة لدى بعض المتخصصين في العطور وحماية البيئة.
فإعادة إنتاج رائحة نبات مهدد بالانقراض لا تعني بالضرورة إنقاذه.
ترى العطارة المتخصصة في المواد الطبيعية ماندي أفتيل (Mandy Aftel)، مؤسسة Aftel Archive of Curious Scents، أن إنتاج نسخة اصطناعية من رائحة نبات مهدد بالانقراض لا يحمي النبات بالضرورة؛ لأن المستهلكين قد يستمرون في تفضيل المادة الطبيعية الأصلية.
كما أن هذه البدائل لا تعالج جميع الأسباب التي تؤدي إلى تراجع أعداد النباتات، مثل تدمير الموائل الطبيعية والقطع غير القانوني والتغيرات البيئية.
وتشير ريان سميث (Rhian Smith) من الحدائق النباتية الملكية في كيو (Royal Botanic Gardens, Kew) إلى أن العود المستخرج من مصادر برية لا يزال يحظى بقيمة خاصة لدى المستهلكين، ولذلك فإن توفير بديل تقني لا يعني بالضرورة زوال الضغط عن أشجار Aquilaria.
ومن جهة أخرى، أقر مؤسس Osmo بأن حماية البيئة لم تكن هدفًا صريحًا من الأهداف الأساسية التي انطلقت منها أعمال الشركة.
حدود الذكاء الاصطناعي: الرائحة ليست مجرد معادلة كيميائية
رغم قدرة التكنولوجيا على تحليل المركبات العطرية وإعادة تركيبها، فإن هناك تحديًا جوهريًا لا يزال قائمًا.
فرائحة الزهرة الطبيعية قد تتكون من مئات المركبات المتطايرة، كما يمكن أن تختلف باختلاف أجزاء النبات وظروف نموه والتربة والمناخ والفصل الذي جُمعت فيه.
وبالتالي، فإن إعادة إنتاج مجموعة من الجزيئات لا تعني بالضرورة إعادة إنتاج التجربة الشمية الكاملة التي تقدمها الزهرة في بيئتها الطبيعية.
وتوضح كريستينا أغاباكيس أن الرائحة التي أمكن استعادتها من مشروع الزهور المحفوظة كانت أشبه بجزء شبحـي من شيء فُقد، وليست استعادة كاملة للكائن الحي الذي أنتجها.
فالرائحة لا تنفصل عن البيئة التي نشأت فيها، وعن التربة والمناخ والموسم والتفاعلات البيولوجية المحيطة بالنبات.
الخلاصة: هل نحن أمام مرحلة جديدة في صناعة العطور؟
ما يحدث اليوم يتجاوز مجرد استخدام الذكاء الاصطناعي لمساعدة العطار على اختيار المكونات أو تطوير التركيبات.
نحن أمام تحول محتمل في طريقة الحصول على المواد العطرية نفسها، وكيفية فهم الروائح وتحليلها وإنتاجها.
قد يصبح بالإمكان مستقبلًا دراسة رائحة شجرة نادرة من عينة صغيرة، أو إنتاج مركبات عطرية بواسطة خلايا نباتية داخل المختبر، أو اكتشاف جزيئات جديدة من كائنات دقيقة لم تكن يومًا ضمن المصادر التقليدية لصناعة العطور.
ومع ذلك، يجب ألا نخلط بين الإمكانات العلمية والنتائج البيئية المؤكدة. فالتكنولوجيا قد توفر بدائل واعدة، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان حماية التنوع البيولوجي أو الحفاظ على النباتات المهددة بالانقراض.
وربما يكون التحدي الحقيقي أمام صناعة العطور في السنوات المقبلة هو تحقيق معادلة تجمع بين الابتكار العلمي واحترام الطبيعة، دون التضحية بالجانب الفني والحسي الذي يجعل العطر أكثر من مجرد مجموعة من الجزيئات الكيميائية.