ماذا لو عاد عطر سارة الذي أعرفه ولا أعرفه
أنا من جيل لم يدرك سارة، لم أر قارورتها ولم أشمها، لكنني كبرت على اسمها، كأنها امرأة من العائلة غابت قبل أن أولد، وبقيت سيرتها تتردد في المجالس، وحين قررت أن أبحث عنها، لم أجد عطرا فحسب، بل وجدت حكاية كاملة.
أول ما عثرت عليه كان إعلانا قديما، كتب فيه بثقة: “هذا هو الوحيد.. عطر سارة”، قارورة زجاجية بلون الكهرمان على هيئة قبة صغيرة، تتدلى منها شرابة خضراء، وتقف على قاعدة ذهبية نقش عليها اسمها، وكانت تأتي في علبة مخملية خضراء، أقرب إلى علبة مجوهرات العروس منها إلى علبة عطر، فهمت حينها لماذا بقيت في ذاكرة الجيل السابق: هذه قارورة توضع على التسريحة لترى، لا لتشم فقط.
سمفونية الأميرة
سألت عن رائحتها، فوجدت أجمل نفسها تجيبني من صفحة قديمة في موقعها، هناك وصفت سارة بأنها تحمل رقي الملوك، وأنها صنعت للمرأة التي تحلم بحياة الأميرات، سمفونية زهرية تمتزج فيها نفحات المسك والزعفران والسوسن وخشب الصندل، وحتى القبة التي رأيتها في الإعلان القديم كان لها معنى: قصر ملكي وقاعدة منقوشة على هيئة عرش، لكن من شموها لم يقفوا عند الوصف، فمنهم من شم فيها زنبق الوادي ونفحة زنجبيل، وهناك من شم فيها وردا غنيا وصندلا دافئا وشيئا من الياسمين وقرنفلا ناعما.
اختلفت الأوصاف، بينما ظل وصف أجمل الرسمي مرجعا منفصلا لتركيبتها.
الأولى في بيت أجمل
لم تكن سارة عطرا عاديا في بيتها، ففي منتصف التسعينات وتحديدا عام ١٩٩٥ بحسب السجل الزمني للدار، كانت أول مخلط تطرحه أجمل باسم مستقل وهوية تجارية خاصة، كانت العائلة تبيع الدهون والمخلطات منذ عقود، لكن سارة كانت أول مخلط يحمل اسما خاصا تحت علامتها، ومنذ ذلك الحين صار اسمها يتردد في بيوت الخليج، واحتلت مكانا في ذاكرة كثيرين لم ينسوها إلى اليومثم غابت.
في عام ٢٠٠٨ كانت سارة لا تزال معروضة في موقع أجمل، وبحلول عام ٢٠١١ لم يعد لها مكان في قائمتها. لم أجد بيانا يشرح السبب، ولم يبق إلا صوت محبيها.
في عام ٢٠١٧ كتب أحدهم إلى حساب أجمل يطلب “عودة عطر سارة من جديد، الدهن والبخاخ”، فجاءه الرد: “في حال توفره سيتم الإعلان”، جملة لا تغلق الباب ولا تفتحه، وفي عام ٢٠٢٢ كتب محب آخر يسأل عن عودة مخلط سارة، ويصفه بأنه “عطر طفولتي”، وأنا أقرأ هذه الرسائل، تغير سؤالي لم يعد: أين ذهبت سارة؟ بل صار: من صنعها؟ ومن أين جاء؟
من غابات آسام إلى سوق دبي
تبدأ الحكاية قبل سارة بأكثر من أربعين عاما، في قرية قريبة من هوجاي في ولاية آسام شمال شرق الهند، هناك نشأ حاجي أجمل علي، ابن فلاح بسيط يبيع الأرز ليعيل أسرته وتزوج من مريم النساء، التي كانوا يختصرون اسمها إلى مريم، وعرف أن أشجار الغابات من حوله تخبئ العود، ذلك الكنز الذي يحبه العرب أكثر من الذهب، فترك الزراعة واتجه إلى تجارة العود.
كان العود يسافر من غابات آسام إلى بومباي، ومنها إلى أيدي التجار العرب، وعلى هذا الطريق بنى حاجي أجمل علي تجارته، فأسسها عام ١٩٥١ برأس مال متواضع، كان يسافر من قريته البعيدة إلى بومباي ويغيب عن أبنائه شهورا، لأن زبائن العود الحقيقيين كانوا من الكويتيين والسعوديين الذين يقصدون بومباي للشراء، ومع الوقت نقل عائلته إلى بومباي في أوائل الستينات، فسكنوا في شقة صغيرة، اتخذ من نصفها ورشة لتجربة خلطاته، بينما ظل النصف الآخر بيتا لعائلته، تلك كانت البداية كلها، قبل أن يعرف أحد في الخليج اسم أجمل.
وفي عام ١٩٧٦ أرسل ابنه فخر الدين إلى دبي، فافتتح متجرا في السوق الكبير قرب مسجد الكويتيين، حيث تجمعت كبرى محلات العطور، ومن ذلك المتجر بدأت أجمل تمتد في الخليج، محلا بعد محل وبلدا بعد بلد، حتى صار الطريق ممهدا لعطر مثل سارة.
الأنف الذي صنع سارة
كان نذير أصغر أبناء حاجي أجمل علي، ولد في بومباي، ونشأ في بيت كان العطر مهنته وحديثه اليومي، كان يقول عن نفسه: “ولدت في عائلة عطارين”، ويذكر أنه انتبه مبكرا إلى حاسة شم استثنائية لديه.
في عام ١٩٨٦ انتقل إلى دبي ليعمل في شركة العائلة. بائعا، نعم، بائعا، ابن صاحب الدار يقف خلف المنضدة، يصغي إلى الزبائن بنفسه، تعلم نذير الصنعة أولا على الطريقة القديمة، في كنف عائلة تعمل بالعطر وعلى أيدي أهل المهنة.
قال مرة إن تعلم العطارة كما يتعلمها أبناء المهنة: بالملازمة والممارسة، وتحت جناح عطار يفتح لك أسرار الصنعة، ثم جاءت المرحلة الثانية في أوائل التسعينات، حين تواصل مع كبار العطارين في فرنسا وسويسرا، واطلع على طريقة بناء العطر الغربي.
عاد نذير وهو يرى فرصة في الجمع بين مدرستين اعتاد السوق التعامل معهما بصورة منفصلة: ثراء المخلطات الشرقية وبناء العطر الغربي، ومن هذه الرؤية جاءت سارة التي جسدت محاولة نذير للجمع بين المدرستين الشرقية والغربية، ولعل هذا ما نلمحه في وصفها: مسك وزعفران وصندل من الشرق، باقة زهرية ذات طابع بودري أقرب الى ذائقة الغرب.
بعد ذلك صار كبير العطارين في الدار عام ١٩٩٦، ثم مديرا للعمليات بعد عشر سنوات، لكنه بقي عطارا قبل كل شيء، كانت لديه مكتبة تضم أكثر من ألف ومئتي مادة خام كما كتبت عنه صحيفة إماراتية.
وكان يقول: “لا أحد يتعطر مثلي، أضع الكثير”.
يروي ابن أخيه عبدالله، الذي يقود الدار اليوم أن عمه أخذه تحت جناحه، وجعله يشم المواد الخام كل صباح، فكان يقضي ثلاثة أو أربعة أيام مع المادة الواحدة، يكرس وقته لشمها والتعرف على خصائصها، حتى يفهم كيف تتراكب الروائح، وقال له مرة: “العطار الماهر يجب أن يحمل في رأسه ثلاثمائة تركيبة، كالطاهي الماهر”، ويصفه بأنه كان عبقريا، يستيقظ في منتصف الليل وفي رأسه تركيبات جديدة.
رحل نذير مبكرا عام ٢٠١٢ وهو في الأربعينات من عمره، وبعد عامين أسست مؤسسة أجمل في هوجاي “كلية نذير أجمل التذكارية للتربية” لإعداد المعلمين، تخليدا لذكرى أصغر الإخوة.
ابنة في قسم العطور
يرحل العطار وتبقى تركيباته، فهل يبقى من يكمل طريقه؟ لنذير ابنة اسمها مريم تحمل اسم جدتها، يوم ولدت صنع لها أبوها عطر مسك خاص، ولا تزال أمها تتعطر به إلى اليوم.
بعد تخرجها تنقلت مريم بين أقسام الشركة، لكن أباها أصر على أن يكون قسم العطور محطتها الأخيرة، قائلا إن الأفضل للأخير، وتقول عنه: “كان أبي صاحب رؤية، للأسف توفي وأنا صغيرة، لكنه علمني جيدا، كان يحب المغامرة وعلمني الصبر”.
التحقت مريم بالدار عام ٢٠١٣ كمقيمة للعطور، ثم أصبحت رئيسة لقسم العطور عام ٢٠١٩، واليوم تحمل مسؤولية القسم الذي ترك فيه أبوها بصمته، فيما لا تزال ابتكاراته، أهمها عطر “ألف ليلة وليلة” حاضرة في ذاكرة محبي الدار.
أمنية أخيرة
لست أطلب المستحيل، فدور العطور الكبرى تعود إلى أرشيفها بين حين وآخر، فتعيد عطرا غاب سنوات.
أمنيتي أن تمر سارة يوما من هذا الباب، لا لأنها ذكرى نحن إليها فحسب، بل لأنها أول مخلط حمل اسمه الخاص تحت علامة أجمل، ولأن جيلي يستحق أن يشم الرائحة التي سمع عنها طويلا، وأن يعرف الاسم الذي يقف خلفها.



