في عالم صناعة العطور، لا تبدأ الحكاية دائماً من قارورة عطر أو تركيبة مبتكرة، بل قد تبدأ من المختبر، ومن فضول علمي يدفعنا إلى اكتشاف ما تخبئه الطبيعة داخل موادها الخام، وإعادة قراءة الروائح المألوفة بطرق لم نعتد عليها من قبل.
في هذه المقابلة مع نسيمة رايبي (Nassima Raybi)، نقترب من جانب مختلف من صناعة العطور، حيث تلتقي المعرفة العلمية بالبحث والتطوير والإبداع العطري، فمن خلال تجربتها في L’Atelier Français des Matières المختبر الداخلي لدار Les Indémodables، خاضت نسيمة رحلة متخصصة في عالم المواد الطبيعية وتقنيات استخلاصها، وأسهمت في استكشاف آفاق جديدة لتوظيفها في صناعة العطور، ولا سيما تقنية الاستخلاص بالموجات فوق الصوتية (Ultrasound-Assisted Extraction).
من هي نسيمة رايبي؟
درستُ صناعة العطور في المدرسة العليا لصناعة العطور École Supérieure du Parfum، ثم انضممت إلى L’Atelier Français des Matières، وهو المختبر الداخلي الذي يقف وراء دار العطور Les Indémodables، حيث أمضت عامين في برنامج تدريب مهني متخصص في البحث والتطوير (R&D).
عملت خلال تلك الفترة على المكونات الحصرية التي يطورونها ونستخدمها في عطور Les Indémodables، ولا سيما من خلال تقنية الاستخلاص بالموجات فوق الصوتية (Ultrasound Extraction Technology) الخاصة بهم، وقد أتاحت هذه التجربة لها التعمق في عالم المكونات الطبيعية واكتساب خبرة متخصصة فيها.
أما اليوم، فهي تعمل إلى جانب رئيس الشركة بصفتها مساعدته المقربة ويده اليمنى، ممثلة الجيل الجديد الذي يواصل مسيرة الشركة.
تعمل عن كثب مع صانع العطور أنطوان لي ومؤسس دار Les Indémodables في مجال ابتكار العطور وتطويرها، لكن نطاق عملها يتجاوز حدود هذه الدار وحدها، إذ تشارك أيضاً في مشاريع عطرية بالتعاون مع دور أخرى يعملون معها، من بينها Les Abstraits وPuredistance وDanner وFleming.
وفي نهاية المطاف، يتمحور دورها حول المساهمة في نمو الشركة، بوصفها جزءاً من الجيل الجديد الذي يحمل رؤيتها إلى المستقبل، مع الحفاظ على هويتها ومعاييرها ونهجها المميز في صناعة العطور، وهو النهج الذي شكّل جوهرها منذ انطلاقتها الأولى.
ماهو طبيعة عملك في مختبر L’Atelier Français des Matières؟
أعمل في L’Atelier Français des Matières، وهي شركة سريعة النمو تقوم على منظومة متكاملة تمتد من توريد أثمن المواد الأولية في العالم إلى البحث والتطوير والاستخلاص، ثم ابتكار العطور وإنتاجها، وتخدم هذه المنظومة المشاريع المخصّصة للعلامات والعملاء، كما تغذّي علامتنا الخاصة للعطور الراقية Les Indémodables.
انطلقتُ في المختبر من صميم المادة الأولى: تطوير مستخلصات طبيعية انطلاقاً من أنفس المواد الأولية في العالم، لعملاء خارجيين وللباليت العطرية الحصرية لـ Les Indémodables.
اشتغلتُ على تحسين مسارات الاستخلاص والمعالجة سعياً لأعلى جودة ممكنة، وعلى الابتكار المشترك لمستخلصات طبيعية رفيعة المستوى مع العطّار الداخلي أنطوان لي، وواكبتُ في الوقت نفسه التطورات التنظيمية والقيود العطرية (IFRA وما في حكمها) وأجريتُ دراسات وتحليلات لسوق العطور الراقية، كما شاركتُ مؤسس الشركة ورئيسها Remi pulverail في صياغة مواثيق التوريد الأخلاقي.
وبحكم هذه الخبرة المتجذّرة في المادة والتركيبة، أشغل اليوم منصب مسؤولة المشاريع على المستوى العالمي (Global Project Manager)، أنسّق مع رئيس الشركة المشاريع الاستراتيجية العابرة للتخصصات. ودوري شامل بطبيعته (360°)، ويغطي تقييم العطور والمنتجاتواستراتيجية العلامة وتطوير قنوات البيع ب(retail) والإشراف المالي والتشغيلي على جميع المشاريع الداخلية والخارجية، وأظلّ دائماً في صلب مسار تطوير إبداعات Les Indémodables، منذ الفكرة الأولى وحتى العطر في صورته النهائية.
وبماذا يختص هذا المختبر؟
L’Atelier Français des Matières هو المختبر الداخلي المتكامل لعلامة Les Indémodables، وهو يختص بتولّي كل مراحل رحلة العطر داخل دارٍ واحدة: توريد أثمن المكوّنات الطبيعية في العالم، واستخلاصها بتقنيتنا الخاصة المبتكرة، وابتكار العطور مع عطّارنا الأول أنطوان لي ، ثم تعبئة الإكسير النهائي وصولاً إلى العلامة والتوزيع، ونحن الوحيدون الذين يتقنون هذه الخبرة بكاملها، ويمسكون بسلسلة العطر من أولها إلى آخرها.
ويقوم عمله على ركيزتين متكاملتين:
أولاً، أداة إبداع وإنتاج متكاملة، تقدّم حلاً جاهزاً (turn-key) للعلامات الراغبة في تطوير إصدارات عطرية محدودة (Limited Editions)، بما يمنحها تميّزاً واضحاً يقوم على حجج نوعية ملموسة.
ثانياً، منصة بحث وتطوير مركّزة على ابتكار مستخلصات طبيعية مبتكرة وصديقة للبيئة، تُطوَّر إما بناءً على طلب العملاء، أو تُحفظ داخل المختبر لتغذّي باليت المكوّنات التي يستخدمها العطّارون المستقلون.
ويتعزّز هذا التكامل بقوّتين نادرتين: خبرة حقيقية كعلامة عطور راقية هي Les Indémodables، (retail & distribution )وخبرة متينة في البيع والتوزيع.
حديثيني عن تقنية الاستخلاص بالموجات فوق الصوتية، وما أشهر المكونات المستخلصة بها وماهي ميزتها؟
نعتمد في L’Atelier Français des Matières على تقنية الاستخلاص بالموجات فوق الصوتية (Ultrasound-Assisted Extraction). تقوم هذه التقنية على بثّ موجات صوتية عالية التردد داخل مذيب يحتوي على المادة الطبيعية، فتتشكّل فقاعات مجهرية تنفجر بسرعة، وهي ظاهرة التجويف (Cavitation).
تكسر هذه الفقاعات بنية المادة بلطف وتحرّر مركّباتها العطرية نحو المذيب، وتبقى الحرارة معتدلة طوال العملية، وهنا تكمن ميزتها الكبرى: فهي تحمي الجزيئات الدقيقة والهشّة التي تُتلفها الحرارة العالية في الطرق التقليدية، فيأتي المستخلص أقرب إلى المادة الحيّة، بطيف عطري أوسع وأغنى، وبتأثير بيئي أخف وفق مبادئ الكيمياء الخضراء.
ومن المواد التي نستخلصها بها القهوة البرازيلية، وهي شوكولاتية ودخانية وأنيسونية وشهية والكاكاو الكولومبي المتعدد الأوجه والشمر والميرمية والخزامى، ومن أبرزها (Immortelle flower Full Spectrum)، حيث حصلنا على مستخلص يتجاوز في ثرائه الأبسولوت والزيت العطري المعروفين، بنفحة شديدة النضارة وشديدة التوابل في آنٍ واحد، فيها الجلد والأنيسون والعسل.
ونحن الأوائل، وبحسب علمنا الوحيدون الذين نجحوا في الحصول على مستخلص طبيعي للجلد (Cuir) بهذه التقنية، وقد استعملناه في الإصدار المحدود Vanille Havane – Cuir des Abyssses نحن الأوائل، وبحسب علمنا الوحيدون، الذين نجحوا في الحصول على مستخلص طبيعي للجلد (Cuir) باستعمال الموجات فوق الصوتية.
وقد كان هذا الإنجاز في صلب بحثي لمذكرة الماستر، فقد انطلقتُ من سؤال بسيط في ظاهره: هل يمكن أن نلتقط الروح الدخانية والجلدية لهذه النفحة من مادة طبيعية خالصة، دون اللجوء إلى الأكورات (Accords)، أي دون إعادة بناء الرائحة بخلط عناصر مختلفة، فما نحصل عليه هو المادة الأولى في صورتها الأصدق، بطيف عطري أوسع وأغنى، وبتأثير بيئي أخف وفق مبادئ الكيمياء الخضراء.
أريد ان أسالك عن تقنية الاستخلاص بواسطة ثاني أكسيد الكربون مالفرق بينها وبين الاستخلاص بالموجات فوق الصوتية.
تعتمد تقنية الاستخلاص بالموجات فوق الصوتية Ultrasounds على استخدام موجات صوتية عالية التردد تساعد على تفكيك جدران الخلايا النباتية وتحرير المركبات العطرية الموجودة بداخلها.
من أهم مزاياها سرعة الاستخلاص وإمكانية العمل في درجات حرارة منخفضة نسبياً، واكتشاف جوانب عطرية جديدة في المواد الطبيعية، أما حدودها فتتمثل في ضرورة التحكم الدقيق في ظروف الاستخلاص لتجنب التأثير على بعض المركبات الحساسة.
أما تقنية ثاني أكسيد الكربون ف Supercritical CO₂ Extraction، فتعتمد على استخدام CO₂ تحت ضغط ودرجة حرارة محددين، ليصبح في حالة تجمع بين خصائص الغاز والسائل، مما يسمح له باستخلاص المركبات العطرية بكفاءة.
من مزاياها أنها تقنية نظيفة، لا تترك عادةً بقايا مذيبات، وتتيح استخلاص مركبات معينة مع الحفاظ على كثير من خصائصها، لكنّها تتطلب معدات متخصصة ومكلفة، كما أن نتائجها تعتمد بشكل كبير على ضبط الضغط ودرجة الحرارة.
بالنسبة لي، لا توجد تقنية أفضل بشكل مطلق؛ فلكل منهما خصائصها واستخداماتها، والاختيار يعتمد على طبيعة المادة النباتية.
تقنية ال headspace هل لديكي معلومات عنها؟
تقنية الـ Headspace هي تقنية تُستخدم لالتقاط وتحليل الجزيئات العطرية المتطايرة التي تطلقها الزهور والنباتات في الهواء المحيط بها، دون الحاجة إلى قطعها أو إتلافها، بمعنى آخر نحاول دراسة الرائحة التي تطلقها المادة الطبيعية وهي في حالتها الحية كما نشمّها في الطبيعة.
تتيح لنا هذه التقنية التعرف على التركيبة الجزيئية للرائحة، وفهم المكونات المسؤولة عن التعبير العطري للزهرة أو النبات، ومن ثم الاستفادة من هذه المعلومات في إعادة بناء الرائحة داخل تركيبة عطرية.
لكن ما أجده مثيراً للاهتمام هو أننا مهما تطورت تقنياتنا ومهما حاولنا تحليل الطبيعة وإعادة إنتاج روائحها، لن نستطيع أبداً نسخها بشكل مطابق، فالطبيعة تحتفظ دائماً بجانب يصعب علينا تفسيره أو إعادة خلقه بالكامل، وأعتقد أن هذه هي أجمل نقطة في الموضوع: لسنا هنا لننسخ الطبيعة، بل لنقترب منها أكثر، ونفهمها بشكل أعمق، وهذا ما يجعل فضولي تجاه المواد الطبيعية لا ينتهي.
لقد تعاونتي مع دار بيورديستانس ماطبيعة هذا التعاون.
تعاوننا مع دار بيور ديستانس قام على شراكة إبداعية وصناعية متكامل، فقد صُنعت بعض الإبداعات العطرية التي حملت توقيع أنطوان لي لدينا في L’Atelier Français des Matières.
واعتمدت الدار على جودة مكوّناتنا الطبيعية، التي نتحكم فيها منذ التوريد والاستخلاص، وكل شيء يُصنع عندنا، من المكوّن الأول حتى المنتج النهائي، تحت سقف واحد.
وهذا التعاون يجسّد نموذجنا الذي نؤمن به: دارٌ واحدة تتحكم في كل حلقات السلسلة، فتضمن للعلامة الشريكة جودة وتميّزاً يمكن إثباتهما.
كيف تصفين العمل مع السيد أنطوان لي وأين تكمن براعته في صناعة العطور؟
العمل مع أنطوان لي مميز جداً، وما أقدّره بشكل خاص في أسلوبه هو قدرته على العمل بالمواد الطبيعية بجرأة وثقة، وهي مهارة لا يمتلكها الكثير من صانعي العطور.
فالعمل بالمواد الطبيعية ليس سهلاً، خاصة عند استخدام نسب مرتفعة منها في التركيبة، أحياناً يمكن لزيادة بسيطة في جرعة مادة معينة أن تُخلّ بتوازن العطر بالكامل وتُفقده جماله، لكن أنطوان يمتلك القدرة على تحمّل هذه المخاطرة، وأن يعرف كيف يوظّف هذه المواد بجرأة دون أن يفقد التركيبة جمالها وتماسكها.
ما يعجبني في عطور أنطوان أنها ليست بالضرورة عطوراً ترضي الجميع، ولا أعتقد أن هذا هو هدفها أصلاً، إنها عطور لها شخصية قوية وجرأة فنية وجمال خاص، قد لا يحبها الجميع لكن عندما تجد العطر الذي يلامسك، فإنك تحبه بكل تفاصيله ولا يكون مجرد إعجاب عابر.
وأعتقد أن قدرته على ابتكار عطور تشعرك بجودة المواد وثرائها ترتبط أيضاً بجودة المواد الخام التي يعمل بها، وهنا يأتي دور المواد الحصرية والطبيعية التي نعمل عليها في Les Indémodables.
فالمادة الخام الاستثنائية تمنح صانع العطر مساحة إبداعية مختلفة، لكن تحويل هذه الإمكانية إلى عطر متكامل وجميل يحتاج إلى موهبة حقيقية.
هل ترين مستقبل صناعة العطور في اكتشاف جزيئات جديدة أم ماذا من وجهة نظرك؟
لا أرى المستقبل في اتجاه واحد، لكنني أؤمن أن القيمة الكبرى ستعود إلى المادة الطبيعية نفسها وإلى طريقة استخلاصها. فاكتشاف جزيئات جديدة سيظلّ جزءاً مهماً من الصناعة، لكنه لا يكفي وحده لصناعة عطر راقٍ، فالمادة الطبيعية الكاملة تحمل عمقاً وتعقيداً وأوجهاً متعددة لا يمكن إعادة بنائها بجزيء واحد ولا بمجموعة جزيئات.
وما أراه اليوم هو أن هناك الكثير مما لم نكتشفه بعد في المواد الطبيعية التي نعرفها منذ قرون، فبتقنيات استخلاص مبتكرة كالموجات فوق الصوتية، نصل إلى جوانب من الخالدة والقهوة والكاكاو والجلد لا يكشفها الزيت العطري ولا الأبسولوت,CO2. فالابتكار الحقيقي في رأيي لا يعني دائماً البحث عن شيء جديد، بل أن نعيد اكتشاف ما في الطبيعة بطريقة أدق وأصدق وأكثر احتراماً للبيئة.
كما أن المستقبل مرتبط بالشفافية والتوريد الأخلاقي، فالعملاء اليوم يريدون أن يعرفوا من أين تأتي المادة وكيف صُنعت، ولهذا أؤمن بالنموذج المتكامل الذي نعمل به، حيث نتحكم في كل مراحل الرحلة، من التوريد إلى الاستخلاص إلى الإبداع إلى المنتج النهائي، فالجزيئات الجديدة والمواد الطبيعية ليستا في تعارض، لكن الأولوية عندي للطبيعة.
أين يكمن الإبداع العطري في التركيبات العطرية البسيطة أم المعقدة؟
الأمر يختلف من عطّار إلى آخر، فلكل واحد منهم مقاربته وبصمته، هناك من يرى الإبداع في البساطة: تركيبة من عدد قليل من المواد، لكل مادة فيها دورها الواضح، وتكفي مادة طبيعية غنية لتحمل العطر كله، وهناك من يجد الإبداع في التعقيد: طبقات متراكبة من المواد تتكشّف تباعاً وتمنح العطر عمقاً وسرداً، والتعقيد ليس عيباً ولا البساطة فضيلة بحدّ ذاتها، فالمهم هو الإتقان والتوازن.
وفي رأيي أن المادة الأولى هي التي تحدّد الكثير، فحين تكون المادة الطبيعية ثرية بأوجهها، كمستخلص الخالدة Immortelle الكامل أو القهوة البرازيلية أو الكاكاو الكولومبي، فإنها تحمل في ذاتها تعقيداً طبيعياً، ويستطيع العطّار أن يبني عليها تركيبة بسيطة في ظاهرها وعميقة في أثرها، أما الإبداع الحقيقي فهو أن يعرف العطّار متى يضيف ومتى يمتنع.
ماهو العطر المبتكر من وجهة نظرك الشخصية، وما أهم الثوابت العطرية عند صناعة عطر ما؟
من وجهة نظري، لا يكمن الابتكار في صناعة العطور بمجرد ابتكار رائحة غريبة أو استخدام مادة جديدة لم يسبق استعمالها، بل في القدرة على اكتشاف تعبير جديد للمادة العطرية، وإبراز جوانبها الخفية التي لم نعتد رؤيتها أو شمّها من قبل.
أؤمن أن الابتكار الحقيقي يبدأ من فهم عميق للمادة الخام: أصلها وطبيعتها وطريقة استخراجها، وما يمكن أن تكشفه من أوجه عطرية مختلفة، فالتكنولوجيا مثل الاستخلاص بالموجات فوق الصوتية، تمنحنا فرصة لاستكشاف هذه الإمكانيات، ليس بهدف تغيير طبيعة المادة، بل لفهمها بشكل أعمق واكتشاف تعبيرها العطري الأكثر ثراءً وصدقاً.
أما عند ابتكار عطر، فهناك عدة أسس لا يمكن التنازل عنها. أولها جودة المواد الخام وأصالتها، لأن شخصية العطر تبدأ من جودة ما يدخل في تركيبته، وثانيها التوازن والتناغم بين المكونات، بحيث تتكامل النفحات وتتطور بشكل طبيعي على البشرة، وثالثها شخصية العطر وهويته؛ فالعطر الناجح يجب أن يحمل فكرة واضحة، وأن يكون له طابع مميز يمكن التعرف عليه وتذكره، دون أن يفقد انسجامه أو أناقته.
وفي النهاية، أرى أن العطر المبتكر هو الذي يستطيع أن يقدم لنا شيئاً لم نشعر به من قبل، دون أن يفقدنا الإحساس بجمال العطر وحقيقته.
مالذي يمكن أن يتغير في عالم العطور خلال العشر سنوات القادمة؟
أعتقد أن السنوات العشر القادمة ستكون مثيرة جداً لعالم العطور، ليس فقط بسبب التطور التكنولوجي، بل بسبب التحولات الثقافية والفنية التي ستعيد تشكيل هذا المجال.
أرى أن مفهوم العطور المتخصصة (Niche) نفسه سيتطور، ربما لن تعود كلمة “نيش” كافية لوصف كل ما هو مختلف أو مستقل، لأن عالم العطور سيصبح أكثر تنوعاً، وستظهر داخله توجهات ومدارس متعددة: العطور الفنية والتجريبية التي تتحدى المألوف، والعطور التقليدية التي تحافظ على تراثها وحرفيتها، إلى جانب عطور تستلهم ثقافات ومناطق جغرافية مختلفة. وأعتقد أن هذا التنوع سيمنح كل نوع من العطور مساحة خاصة وجمهوراً يبحث عنه.
كما أتوقع أن يصبح التأثير المتبادل بين الشرق والغرب أكثر حضوراً في عالم العطور، فالعالم العربي والشرق عموماً يمتلكان تراثاً عريقاً وغنياً في استخدام المواد الطبيعية (Natural Ingredients) ولكل منها تاريخ وثقافة وطريقة خاصة في التعبير عن الروائح. وأعتقد أن دخول المزيد من صانعي العطور القادمين من خلفيات ثقافية مختلفة سيضيف لغات وتعبيرات جديدة إلى صناعة العطور العالمية، وربما سنشهد مستقبلاً حضوراً أكبر لصانعي العطور غير الفرنسيين، ليس فقط كأشخاص يشاركون في هذه الصناعة، بل كأصحاب مدارس ورؤى عطرية مستقلة.
أما بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي، فأراه أداة يمكن أن تساعد في البحث والتطوير، لكنني لا أعتقد أنه سيحل محل الإبداع الإنساني أو يُحدث وحده ثورة في فن صناعة العطور، فالعطر يرتبط بالذاكرة والمشاعر والتجارب الشخصية، وحتى بالأخطاء والعفوية التي قد تقود إلى أجمل الاكتشافات، وهذه أبعاد أعتقد أنها ستظل جوهر الإبداع العطري.
أتمنى أن يكون مستقبل العطور أقل ارتباطاً بالتصنيفات والاتجاهات الجاهزة، وأكثر انفتاحاً على الاختلاف، أعتقد أننا لن نتحدث مستقبلاً عن مدرسة واحدة أو تعريف واحد للعطر الجيد، بل عن عوالم عطرية متعددة، لكل منها لغتها وهويتها وجمهورها.
هل هناك مواد عطرية تجدينها لم تقدر أو تقدم بالشكل المطلوب في العطور وتحتاج إلى صياغة لها بطريقة أفضل؟
نعم، هناك مواد عطرية أشعر أنها لا تزال تنتظر من يكتشفها من جديد، لا لأن إمكانياتها محدودة، بل لأننا أحياناً نعتاد رؤيتها من زاوية واحدة، ونكرر التعبير عنها بالطريقة نفسها.
الزعفران هو أول ما يخطر ببالي، أشعر أنه لم يحصل دائماً على المكانة العطرية التي يستحقها، وكأننا حصرناه في عالم الروائح الداكنة والجلدية والعود والعطور الشرقية القوية، بينما أرى فيه شيئاً أكثر إشراقاً ورهافة وتعقيداً، أتخيله في تركيبة تحتضنه فيها نفحات حليبية ناعمة، دون أن تصبح حلوة أو غورماندية، مع لمسة شمسية تمنحه دفئاً وإشراقاً مختلفين.
بالنسبة لي، لا ينبغي أن يكون الزعفران دائماً مرادفاً للغموض والظلام، أعتقد أن لديه جانباً مضيئاً لم نمنحه الفرصة الكافية للظهور، وأظن أن هذا ينطبق أيضاً على النفحات اليانسونية، التي أرى أنها لم تُستكشف بما يكفي، رغم قدرتها على منح العطر شخصية مميزة وغير متوقعة، وكذلك النرجس بمادته الغنية والمتناقضة بين الجوانب الخضراء والجلدية، والذي أعتقد أنه يستحق مساحة أكبر في الإبداع العطري.
أؤمن أن جمال صناعة العطور يكمن في أن المادة الخام لا تملك بالضرورة هوية واحدة أو تعبيراً ثابتاً، فالمادة نفسها يمكن أن تروي قصصاً مختلفة تماماً بحسب من يعمل بها، وبحسب حساسيته وخياله ورؤيته الفنية، وربما هذا أكثر ما يثير اهتمامي في عالم العطور: ألا نكتفي باستخدام المواد كما اعتدنا عليها، بل أن نمنحها فرصة لتفاجئنا، وأن نكتشف فيها شيئاً لم نكن نعرف أنه موجود أصلاً.
ما الفرق بين جودة العطر ونقاء العطر؟
أعتقد أن الفرق بين نقاء العطر وجودته يكمن في أن النقاء لا يعني بالضرورة التميّز العطري.
نقاء العطر يرتبط بأصالة المواد المستخدمة وسلامتها من الغش أو الإضافات غير المرغوبة، واحترام خصائصها الطبيعية.
أما الجودة فهي مفهوم أوسع بكثير، فهي تبدأ من اختيار المواد الخام وفهم طبيعتها، مروراً بطريقة صياغة التركيبة والتوازن بين مكوناتها، وصولاً إلى مراحل النضج والتعتيق (Maturation & Maceration)، فهذه المراحل مهمة أيضاً في تطور العطر واستقرار تركيبته، وقد تساهم في تحسين انسجام مكوناته وتعبيره العطري النهائي.
ومن وجهة نظري، لا تكمن جودة العطر في استخدام أنقى المواد أو أغلاها فحسب، بل في معرفة كيفية التعامل معها وتوظيفها، فقد نمتلك مواد خام استثنائية، لكن تحويلها إلى عطر متوازن، غني ومتماسك يتطلب رؤية فنية وخبرة حقيقية.
فالنقاء صفة تتعلق بالمادة، أما الجودة فهي نتيجة سلسلة متكاملة من الاختيارات والخبرات، من المادة الخام إلى العطر النهائي.
وماهو تعريفك للعطر المتكامل؟
بالنسبة لي، العطر المتكامل هو العطر الذي لا أشعر فيه بأن هناك شيئاً ناقصاً أو زائداً عن الحاجة، ليس بالضرورة أن يكون عطراً بسيطاً أو سهلاً أو أن يرضي الجميع، بل أن تكون لديه هوية واضحة ورؤية فنية متماسكة، وأن تخدم جميع مكوناته الفكرة التي أراد صانع العطر التعبير عنها.
أحب أن يكون هناك انسجام بين المواد الخام، دون أن يعني ذلك أن تكون جميعها ناعمة أو متشابهة، فالتناقض أحياناً هو ما يمنح العطر شخصيته وعمقه، كما أن تطور العطر على البشرة مهم جداً بالنسبة لي، من الانطباع الأول إلى مراحله الأخيرة، وأن يحتفظ بشخصيته وتعبيره مع مرور الوقت.
ولا يمكن أن نتجاهل جودة المواد الخام، ودقة صياغة التركيبة، وكذلك مراحل النضج والتعتيق (Maturation & Maceration)، فكلها عناصر تساهم في الوصول إلى النتيجة العطرية النهائية.
لكنني لا أعتقد أن جودة العطر ترتبط بالضرورة بكون مكوناته طبيعية أو اصطناعية، فهناك عطور تعتمد بالكامل تقريباً على المواد الاصطناعية، ومع ذلك تمثل إبداعات استثنائية، بل إن بعضها يعكس عبقرية حقيقية في صناعة العطور.
بالنسبة لي، لا تكمن المسألة في مصدر المادة بحد ذاته، بل في كيفية توظيفها، وفي الرؤية الإبداعية لصانع العطر، وفي قدرته على تحويل المواد إلى لغة عطرية لها شخصية وهوية خاصة.
لا أعتقد أن العطر المتكامل يجب أن يكون مثالياً أو أن يرضي الجميع، ولا أن تكون تركيبته بالضرورة معقدة، فقد يكون بسيطاً جداً لكنه يحمل شخصية قوية وتعبيراً صادقاً.
بالنسبة لي، العطر المتكامل هو الذي يقول بوضوح ما يريد أن يقوله عطرّياً، دون أن يناقض نفسه أو يفقد روحه، هو العطر الذي أشعر عند شمّه بأن كل تفصيل فيه موجود لسبب، وأن كل شيء فيه في مكانه الصحيح، وأنه لا يحتاج إلى أن يكون شيئاً آخر غير نفسه.
