مقابلات عطرية

جوليان راسكينيه: حوار في ذاكرة العطور، أسرار الإبداع وشغف التجدد

في عالم صناعة العطور حيث تتقاطع الكيمياء مع الفن، وتتحول المواد الخام إلى حكايات لا تُروى بالكلمات، يبرز جوليان راسكينيه بوصفه أحد الأسماء التي استطاعت أن ترسم لنفسها بصمة مميزة في عالم العطور الراقية.

من خلال أسلوبه الإبداعي وقدرته على المزج بين التقاليد العطرية والرؤية المعاصرة، قدّم راسكينيه أعمالاً تحمل شخصيته الفنية، وتكشف عن حسّ تركيبي يجمع بين الجرأة والتوازن، وبين الثراء الشمي والاهتمام بأدق التفاصيل.

تنقّل في رحلته المهنية بين ثقافات عطرية مختلفة، واكتسب خبرات ساهمت في تشكيل لغته الخاصة، ليصبح اسمه مرتبطاً بمجموعة من الإبداعات التي تركت حضوراً لافتاً في صناعة العطور، ولا سيما في عالم العطور المتخصصة والفاخرة.

في هذه المقابلة على Aromatic Glance – لمحة عطرية، نقترب من جوليان راسكينيه بعيداً عن أسماء العطور وقوائم مكوناتها، لنكتشف الإنسان خلف الإبداع: كيف يفكر صانع العطر؟ من أين يستمد إلهامه؟ كيف يوازن بين رؤيته الفنية وهوية الدار التي يعمل معها؟ وما الذي يجعل تركيبة عطرية ما تستحق أن تتحول إلى تجربة لا تُنسى؟

حوار نفتح من خلاله نافذة على فلسفته الإبداعية، ورؤيته لمستقبل صناعة العطور، والأسرار التي تجعل من العطر أكثر من مجرد رائحة؛ لغةً قادرة على استحضار الذكريات وصناعة المشاعر.

١. ما الأمر الأكثر أهمية بالنسبة إليك عند ابتكار عطر، جمالية الرائحة، الثبات، الفوحان، ومتى تقول بأن الصيغة العطرية أصبحت جاهزة؟

بالنسبة إليّ، يأتي الشعور العاطفي في المقام الأول، يجب أن يروي العطر قصة، وأن يخلق إحساساً، ويترك انطباعاً لا يُنسى. بالطبع الثبات والفوحان مهمان، لكن لا ينبغي أبداً أن يكونا على حساب الجمال أو التوازن.

أعتبر التركيبة مكتملة عندما يبدو كل شيء فيها طبيعياً، ولا أشعر بوجود أي عنصر زائد عن الحاجة، إنها لحظة تعتمد إلى حد كبير على الحدس، وأحياناً يكون الجزء الأصعب هو معرفة متى يجب التوقف.

٢. هل يمكنك ذكر ثلاثة عطور لا تزال تلهمك حتى اليوم؟

أختار ثلاثة عطور: Aromatics Elixir وHabit Rouge وKenzo pour Homme.

كان Aromatics Elixir عطر والدتي، وهو بالنسبة إليّ رمز للأناقة والقوة الناعمة.

أما Habit Rouge فكان عطر والدي، أحب فيه طابعه الحيواني والعنبري والزهري وتعقيده وتوازنه المميز.

وبالنسبة إلى Kenzo pour Homme إصدار عام ١٩٩١ تحديداً، فقد كان أول عطر أختاره لنفسي، كنت أشعر بأنني شخص مختلف عندما أضعه، أكثر ثقة بالنفس، وكأنني أمتلك هالة خاصة بطابعه البحري والعطري والخشبي الذي أراه شديد الأناقة.

٣. ما العطور التي ترتديها بصورة متكررة؟

في الواقع، أرتدي في الغالب العطور التي أعمل على ابتكارها حالياً.

لو لم أكن صانع عطور، فربما كنت سأكون وفياً لعدد محدود من العطور، لكن من المهم بالنسبة إليّ أن أجرّب إبداعاتي، وأن أراقب كيف تتطور مع مرور الوقت، وكيف تتصرف على البشرة وفي الهواء.

٤. ما أهم درس تعلمته من بيير بوردون ولا زلت متمسك به حتى الآن قي صناعة عطورك؟

أحد أهم الدروس التي تعلمتها من بيير بوردون هو أهمية امتلاك فكرة واضحة والالتزام بها.

فالعطر العظيم ليس بالضرورة أن يكون معقداً، ما يهم حقاً هو قوة هويته ودقة بنائه والعاطفة الكامنة وراءه.

إن السعي إلى البساطة والوضوح والشخصية المميزة هو أمر أحاول دائماً أن أضعه نصب عيني أثناء ابتكار العطور.

٥. هل هناك خيط مشترك يربط بين إبداعاتك؟ وكيف تتجنب تكرار نفسك؟

أعتقد أن الخيط المشترك يتمثل في بحثي الدائم عن التوازن والأناقة والشخصية المميزة، أحب العطور التي تمتلك هوية واضحة يمكن التعرف إليها، وتترك أثراً في الذاكرة من دون أن تكون متكلفة أو مبالغاً فيها.

ولتجنب تكرار نفسي، أحاول التعامل مع كل مشروع من منظور جديد، فكل عطر يبدأ بقصة مختلفة أو مصدر إلهام مختلف أو إحساس خاص.

كما أؤمن بأن الفضول عنصر أساسي في صناعة العطور، فهناك دائماً شيء جديد يمكن اكتشافه، حتى في المواد الخام التي عملت بها لسنوات طويلة.

٦. لو أتيحت لك فرصة التعاون مع ثلاثة من صانعي العطور من الماضي، فمن ستختار؟

كنت أتمنى كثيراً العمل مع صوفيا غروسمان (Sophia Grojsman)، كيف يمكن لشخص واحد أن يبتكر روائع مثل Trésor وParis وEternity خلال حياته المهنية؟!

وبالطبع، كنت أتمنى أن أعمل أكثر مع بيير بوردون، فقد كانت علاقتنا في الأساس علاقة أستاذ وتلميذ، لذلك أعدت تقديم الكثير من أعماله بأسلوبي، لكن هذا التبادل كان يسير في معظمه باتجاه واحد، كنت سأستمتع كثيراً لو أتيحت لي فرصة العمل معه لبضع سنوات إضافية على الأقل.

٧. ما المادة الخام التي تعتقد أنها لا تحظى بالتقدير الكافي في صناعة العطور؟

يمكنني تسمية عدد من المواد، لكنني سأختار اللابدانوم (Labdanum).

إنها مادة لطالما أحببتها، وعلى الرغم من استخدامها على نطاق واسع، فإننا لا نشير إليها دائماً بالاسم، إذ غالباً ما تكون موجودة ببساطة ضمن ما يُعرف بالأكورد العنبرية.

تمتلك اللابدانوم جوانب عطرية متعددة؛ فهي عنبرية وجلدية وراتنجية وغورماندية وناعمة وحيوانية، وفي الوقت نفسه تتمتع بأناقة استثنائية، إنها مادة غنية بالتفاصيل والوجوه العطرية.

أحب المواد التي تمتلك قدراً من التعقيد، والتي لا يسهل فهمها أو استيعابها من الوهلة الأولى، واللابدانوم واحدة من أبرز هذه المواد بلا شك، فهي قادرة على منح العطر شخصية كبيرة من دون أن تكون بالضرورة العنصر الرئيسي فيه.

٨. ترتبط الموضة وصناعة العطور بعلاقة وثيقة. أي دار أزياء تلهمك أكثر من غيرها؟

بلا شك، دار دريس فان نوتن (Dries Van Noten)، وليس فقط لأنني بلجيكي!

لطالما أعجبت بإحساسه الاستثنائي بالألوان، وبقدرته على الجمع بين الخامات والأنماط والتأثيرات المختلفة التي قد لا نتخيل اجتماعها معاً، ثم تحويلها بطريقة ما إلى مزيج يبدو متناغماً تماماً.

في الواقع كان العمل لصالح دريس فان نوتن حلماً راودني دائماً، لذلك عندما أتيحت لي الفرصة للمشاركة في ابتكار عطر Camomille Satin مع بول غيرلان كانت لحظة مميزة جداً بالنسبة إلي.

ما أحبه في عالمه الإبداعي هو قدرته على الجمع بين عناصر غير متوقعة، مع الحفاظ على مستوى عالٍ من الأناقة والرقي، وأعتقد أن هناك تشابهاً جميلاً بين هذا النهج وعالم صناعة العطور.

وهذا بالضبط ما أحاول تحقيقه عند ابتكار العطور: الجمع بين مكونات قد تبدو مختلفة تماماً، وجعلها تنسجم مع بعضها بصورة جميلة.

٩. كيف تغير جوليان راسكينيه، صانع العطور الذي أنت عليه اليوم، مقارنة بجوليان الشاب الذي بدأ رحلته في ابتكار العطور؟

أعتقد أنني كنت دائماً وسأظل تلميذاً لبيير بوردون، رغم أنني أمتلك بصمتي الخاصة، لكنني سأحتفظ دائماً برغبتي في الابتكار من خلال عناصر تصويرية واضحة، وباستخدام الجرعات المرتفعة من بعض المواد، وابتكار عطور تروي القصص.

أما ما تغير، فهو أنني سافرت كثيراً، والتقيت بثقافات شمية متنوعة للغاية، وكلما ازدادت معرفتي أدركت أكثر حجم الأشياء التي ما زلت أجهلها.

خلال هذا العام وحده، أتيحت لي فرصة التعمق في عالم صناعة العطور الصيني، والتعرف بصورة أفضل إلى الثقافة الشمية السنغالية الغنية والمذهلة، ومواصلة ابتكار العطور لعلامات تجارية من السعودية وسلطنة عُمان، إلى جانب العمل مع عدد متزايد من العلامات الأمريكية.

كل تجربة تضيف لبنة جديدة إلى إبداعي، وقصة جديدة يمكنني روايتها، كما أن الأشخاص الذين ألتقي بهم يحفزون خيالي ويطورون مهاراتي وتقنياتي.

١٠. لو كان بإمكانك اختيار حقبة واحدة من تاريخ صناعة العطور تتمنى لو عشتها بنفسك، فأي حقبة ستختار؟ ولماذا؟

الوقت الحاضر.

أنا لا أحب الحنين إلى الماضي، لأنه لا معنى له بالنسبة إليّ.

أعتقد أننا نستطيع، بل يجب علينا أن نكون سعداء بالفترة الإبداعية التي نعيشها الآن، علينا أن نفعل ذلك ببساطة لأنه ليس لدينا خيار آخر.

إن العدد الكبير من الإصدارات العطرية يؤدي بطبيعة الحال إلى ظهور عدد أكبر من العطور المملة، لكن التاريخ لن يتذكر في المستقبل سوى أفضل ما قدمته حقبتنا، وهناك الكثير من الإبداعات التي تستحق أن تبقى في الذاكرة.

١١. ما عائلتك العطرية المفضلة؟

أوووه! هذا سؤال صعب!

في الحقيقة، أحب جميع العائلات العطرية، شرط أن يكون العطر طويل الثبات، وقوياً من حيث الحضور، لكنه في الوقت نفسه ناعم ومصقول ومتقن.

لا أحب العطور الصاخبة لمجرد أنها تريد أن تبدو قوية. فالأهم بالنسبة إليّ يظل دائماً هو التوازن الصحيح.

لكنني أعتقد أن العطور العنبرية هي الأقرب إلى ذائقتي، مع ذلك فأنا منفتح تماماً على بقية العائلات العطرية!

١٢. قد لا يعرف كثيرون أنك بلجيكي، لكننا من بين القلائل الذين يعرفون ذلك. ما الروائح التي تذكّرك ببلجيكا؟

أول ما يتبادر إلى ذهني هو منطقة كنوك لو زوت (Knokke-le-Zoute)، حيث كنت أقضي عطلات الصيف مع جدي وجدتي.

أتذكر بوضوح رائحة البحر والهواء المالح، وخصوصاً تلك الرائحة المميزة جداً للحجارة الرطبة الممزوجة برائحة اليود.

من المدهش كيف تستطيع بعض الروائح أن تعيدك فوراً إلى مكان معين ولحظة محددة من حياتك، يمكنني أن أغمض عينيّ وأكاد أشعر بذلك الجو من جديد، تماماً كما لو أنني عدت إلى منزل جدي وجدتي.

وبالطبع هناك رائحة المطر والأوراق المبللة والغابات، أجد في هذه الروائح شيئاً مريحاً للغاية ومحملاً بالحنين إلى الماضي.

ولا يمكنني أن أنسى رائحة البطاطا المقلية البلجيكية بالطبع! فهي مختلفة تماماً عن أي مكان آخر في العالم!

١٣. أين ترى نفسك بعد عشر سنوات من الآن؟

آمل أن يواصل الناس الاستمتاع بما أقدمه، وأن يستمروا في طلب إبداعاتي، لذلك أرى نفسي أواصل القيام بما أفعله اليوم تماماً وآمل أن يتحقق ذلك!

لكن الأمر لا يعتمد عليّ وحدي، بل هو في الحقيقة قرار السوق والناس، أما من جانبي فأنا أعلم أنني سأواصل العمل بالاجتهاد نفسه الذي التزمت به دائماً، محاولاً تقديم أفضل ما لديّ للعلامات التجارية التي أعمل معها.

Issam Al_Daoor

I am the founder of Aromatic Glance Website. I was born in Gaza, Palestine. I spent my childhood in Saudi Arabia, earned a Bachelor’s degree in Medicine and General Surgery in Egypt, and currently work as a Specialist in Anesthesia and Intensive Care. Additionally, I hold certifications and have experience in digital marketing, SEO, and WordPress. As an Arabic content writer, I personally oversee the editing and revision of all articles on website. My goal is to develop Arabic fragrance content through highly accurate articles that serve as a reference for everyone worldwide

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى