في عالم العطور تبدأ الحكاية عادة بزجاجة ورائحة وذاكرة، لكن حكاية دي مارلي اليوم تكتب بلغة أخرى، هي لغة الأرقام والعروض والمصارف الاستثمارية، فالدار الفرنسية التي غزت رفوف العطور الفاخرة في سنوات قليلة صارت محور واحدة من أكبر صفقات البيع في قطاع العطور.
الذي يعرض للبيع ليس دار دي مارلي وحدها، بل الشركة الأم التي تملكها وهي مجموعة أرتيسنس، وكان اسمها سابقا مجموعة شبريشر بيرييه، وتضم المجموعة علامتين: دي مارلي وإنيشيو، فالمشتري المحتمل لن يشتري عطرا أو علامة، بل يشتري مجموعة كاملة بعلامتيها ومتاجرها وشبكة توزيعها.
أما البائع فهو شركة الاستثمار الخاص أدفنت إنترناشونال، وشركات الاستثمار الخاص تدخل الشركات لتنميها بضع سنوات، ثم تخرج منها ببيع حصتها بربح، اشترت أدفنت ٧٠٪ من المجموعة في يونيو ٢٠٢٣، وقدرت مصادر في القطاع قيمة الصفقة بأكثر من ٧٠٠ مليون دولار، وبقي المؤسس جوليان شبريشر شريكا بنسبة ٣٠٪.
في الثاني والعشرين من أكتوبر ٢٠٢٥، نقلت فايننشال تايمز أن أدفنت تجري محادثات أولية لبيع المجموعة، شاملة دي مارلي وإنيشيو بقيمة قد تتجاوز ملياري دولار، وفي أبريل ٢٠٢٦ صار الحديث رسميا أكثر: كلفت أدفنت مصرفي جيفريز وغولدمان ساكس بإدارة البيع، وطلبت قيمة تقارب ملياري يورو أي نحو ٢٫٣ مليار دولار، مع توقع مصادر أن يستقر السعر دون ذلك.
بلغت مبيعات التجزئة للمجموعة، أي ما أنفقه الزبائن على عطورها في المتاجر، أكثر من مليار دولار في السنة المالية المنتهية في ٣١ مارس ٢٠٢٦، بنمو ٣٩٪. كانت حصة دي مارلي منها أكثر من ٧٨٠ مليون دولار بنمو ٤٢٪، وحصة إنيشيو أكثر من ٢٢٠ مليونا بنمو ٣٢٪، وقدر أحد المصادر إيرادات دي مارلي وحدها بما بين ٣٧٥ و٤٠٠ مليون يورو سنويا، وهي أرقام تختلف عن مبيعات التجزئة، التي تحتسب وفقا لما يدفعه المستهلك النهائي.
ولدي مارلي ٢٥ متجرا خاصا، وتباع في نحو ١٥٠٠ نقطة بيع حول العالم، ويتصدر خط ديلينا مبيعات دي مارلي بلا منازع، وكان مع إصداراته يشكل قرابة ٤٠٪ من مبيعات الدار في ٢٠٢٢، ولمنطقة الخليج نصيب واضح في هذه القصة، فقد تصدرت دي مارلي وخط ديلينا مبيعات عطور النيش في السوق الحرة بدبي في ٢٠٢٥، بأكثر من ٤٢٠٠ عبوة في الشهر، وارتفعت المبيعات في الكويت ٧٥٪ في الربع الأول من ٢٠٢٦ مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وصار الشرق الأوسط ثالث أهم منطقة للمجموعة بعد أمريكا وأوروبا.
في سبتمبر ٢٠٢٥ أعلنت المجموعة تعيين باتريس بيليار رئيسا تنفيذيا اعتبارا من أكتوبر، خلفا لجوليان سوسيه بعد أكثر من تسع سنوات في المنصب، وبعد أسابيع خرجت أولى أنباء البيع، واحتفظ المؤسس جوليان شبريشر بمنصب رئيس مجلس الإدارة التنفيذي، إلى جانب الإشراف الإبداعي على دار دي مارلي.
جاء بيليار من إستي لودر، حيث أشرف على كيليان وفريدريك مال بعد مسيرة شملت شيسيدو، وقال شبريشر إن خبرته في العطور الفاخرة والنيش تتوافق تماما مع طموح المجموعة لجعل الدارين رائدتين عالميا، وتوقيت التعيين قبيل البيع يوحي بأن أدفنت أرادت على رأس الشركة رجلا يعرف كيف تدار دار نيش داخل مجموعة عالمية ويتكلم لغة المشترين الكبار، وهذه قراءتي التحليلية لا تصريح رسمي.
في العاشر من سبتمبر ٢٠٢٦، نقل صحفيان من منصة ميرجرماركت المتخصصة في أخبار الاستحواذ أن أدفنت تجمع العروض الأولية غير الملزمة بحلول نهاية الأسبوع التالي، وهذه مرحلة معتادة يقدم فيها المهتمون أرقاما مبدئية قبل الدخول في التفاصيل.
قد يبدو غريبا غياب عمالقة التجميل عن صدارة السباق، لكن بيوتي ماتر تشرح ذلك: لوريال منشغلة بدمج كيرينغ بيوتي التي اشترتها بأربعة مليارات يورو، وإستي لودر وبويغ كانتا غارقتين في مفاوضات اندماج أكدتاها في مارس ٢٠٢٦، ثم أعلنتا انتهاءها دون اتفاق في مايو، كما أن الحرب على إيران جعلت إنفاق المستهلكين أقل يقينا.
وفي الثامن والعشرين من أكتوبر ٢٠٢٦ نقلت رويترز أن شركتي الاستثمار سي في سي وسينفن ومعهما بويغ من بين الراغبين في الشراء، وأن بويغ تبدو أقل نشاطا من غيرها، وقدر أحد المصادر قيمة الشركة بأقل من ملياري يورو، دون الكشف عن أي عروض، مع التأكيد أن المحادثات مستمرة ولا يقين بإتمام الصفقة، أي أن الدار قد تنتقل من يد مستثمر مالي إلى يد مستثمر مالي آخر، بدل أن تحتضنها مجموعة عطور كبرى.
وفي الأشهر الأخيرة حرصت الإدارة على طمأنة موزعيها بأن تغيير المالك لن يغير استراتيجية الدار، وجمعتهم في أبريل في باريس في أول ملتقى عالمي للموزعين، ورغم أن شبريشر لم يعد يدير العمل اليومي، فإنه ما زال يقود ابتكار عطور الدار بنفسه، لكن التجربة تعلمنا أن المال حين يتغير يتغير معه الإيقاع: ضغط أكبر على النمو وإصدارات أسرع وتوسع في نقاط البيع.
فالسؤال الحقيقي لا يتعلق بمن سيشتري، بل بما إذا كانت الروح التي صنعت ديلينا ستبقى حين يصبح العطر رقما في جدول تقييم.
حتى كتابة هذه السطور، لم تحسم الصفقة ولم يعلن عن مشتر، ولا يزال مستقبل المجموعة مفتوحا على أكثر من احتمال.






