عطارون متميزون

حبيب السويدي: رحلة من ذاكرة اليمن العطرية إلى قلب صناعة العطور الفرنسية

من حدائق تعز وعبق اللبان والمر، إلى مصانع العطور في المملكة العربية السعودية، وصولاً إلى باريس ومشروعاتها العطرية الفاخرة، تمتد مسيرة حبيب السويدي عبر محطات متعددة تجمع بين المعرفة بالمواد الطبيعية والخبرة الصناعية والإدارة الإبداعية وبناء العلامات التجارية، إنها تجربة مهنية تشكلت عند نقطة التقاء التراث العطري الشرقي بالمدرسة الأوروبية الحديثة في صناعة العطور.

في تاريخ صناعة العطور، لا تقتصر الأدوار المؤثرة على أولئك الذين يبتكرون التركيبات العطرية داخل المختبرات، فهناك شخصيات أسهمت في تشكيل الصناعة من مواقع مختلفة عبر تطوير المنتجات وبناء العلامات التجارية وجمع المواهب الإبداعية تحت رؤية واحدة، ويأتي حبيب السويدي ضمن هذه الفئة من المهنيين الذين امتدت تجربتهم بين عالم العطارين والمختبرات والأسواق والإدارة الإبداعية.

ولفهم مسيرته، لا بد من العودة إلى البدايات، إلى اليمن، حيث تشكلت علاقته الأولى بعالم الروائح، قبل أن تقوده رحلته المهنية إلى السعودية ثم فرنسا، وصولاً إلى تأسيس مشروعات عطرية تحمل أبعاداً ثقافية وتاريخية تتجاوز حدود المنتج التجاري.

اليمن: حيث بدأت الحكاية العطرية

وُلد حبيب السويدي في اليمن، ونشأ في بيئة عائلية ارتبطت بالزراعة والزهور والمواد العطرية الطبيعية، فمنذ أربعينيات القرن الماضي بحسب روايته، ارتبط نشاط عائلته بالأشجار والزهور وإنتاج اللبان والمر والراتنجات والزيوت الأساسية.

كانت الطبيعة المحيطة به بمثابة مختبره العطري الأول، إذ ارتبطت ذاكرته بروائح الفل والياسمين العربي والليمون والريحان والمواد الراتنجية، وهي روائح لم تكن مجرد عناصر طبيعية عابرة، بل جزءاً من الحياة اليومية والثقافة المحلية.

وتحتل مدينة تعز، التي ارتبطت بنشأته، مكانة خاصة في هذه الذاكرة؛ فهي معروفة بتقاليدها المرتبطة بالزهور ومن بينها المشاقر، وهي أطواق وباقات من الأزهار الطازجة التي يضعها الرجال والنساء على رؤوسهم، في تقليد يعكس حضور الزهور في الهوية الاجتماعية والثقافية اليمنية.

وقد منحته هذه البيئة معرفة مبكرة بالمواد الطبيعية ومصادرها وخصائصها، قبل أن يتعرف إلى عالم العطور من منظور صناعي وتجاري.

درس السويدي الاقتصاد في جامعة عدن، وحصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال (MBA)، إلا أن اهتمامه بالعطور دفعه إلى دخول هذا القطاع في سن مبكرة، ليبدأ مسيرته المهنية عندما كان في العشرين من عمره تقريباً.

المملكة العربية السعودية: الانتقال من المعرفة إلى الصناعة

مثّلت المملكة العربية السعودية المحطة المهنية التي انتقل فيها حبيب السويدي من الاهتمام بالمواد العطرية إلى ممارسة الصناعة على نطاق أوسع.

فبعد انتقاله إلى جدة، عمل في قطاع العطور، وارتبط اسمه بشركة محمود سعيد، حيث تولى مسؤوليات في مصنع العطور التابع لها، وفق المعلومات الواردة في سيرته المهنية المنشورة.

كانت هذه المرحلة أساسية في تكوين خبرته؛ إذ أتاحت له التعرف عن قرب إلى عمليات التصنيع وتطوير التركيبات ومراقبة الجودة وإدارة الإنتاج، فضلاً عن فهم طبيعة المستهلك الخليجي ومتطلباته العطرية.

ومن أبرز الأعمال التي ارتبطت بهذه المرحلة سلسلة Casanova، التي ساهم في تطوير منتجاتها وإنتاجها، إلى جانب مشروعات أخرى استهدفت الأسواق العربية.

كما يذكر السويدي أن خبرته في تلك الفترة امتدت إلى تطوير عطور خاصة بالملك الراحل فهد بن عبد العزيز، وهي تجربة تعكس مستوى المسؤوليات التي تحدث عن توليها خلال عمله في القطاع.

ولم تتوقف مسيرته عند حدود التصنيع؛ فقد اتجه إلى تطوير منتجات تتجاوز العطور التقليدية، مع اهتمام بمستحضرات التجميل والهوية التجارية للمنتج، مستفيداً من احتكاكه بخبراء أوروبيين في مجالات التصنيع والتطوير.

عبد الخالق سعيد: العطر يلتقي بالفن والإعلام

شكّلت علاقته برجل الأعمال عبد الخالق سعيد مرحلة أخرى في مسيرته، حيث شارك في تأسيس وتطوير نشاط العطور المرتبط بمشروعاته التجارية، مستفيداً من خبرته الصناعية والإدارية.

واتسمت هذه المرحلة بتنوع التعاونات، إذ لم تقتصر على تطوير المنتجات الموجهة للمستهلكين، بل امتدت إلى مشروعات ارتبطت بشخصيات فنية وإعلامية معروفة.

ومن أبرز هذه التجارب التعاون مع الفنان محمد عبده في مشروعات عطرية حملت اسمي مذهلة وبنت النور، في محاولة للجمع بين الهوية الفنية للشخصية والمنتج العطري الذي يحمل اسمها.

كما شملت أعماله عطر GK المرتبط بالإعلامي جورج قرداحي، ومشروعات مع حليمة بولند ورازان مغربي، إلى جانب إصدارات ارتبطت بأسماء فنية من شركة روتانا، من بينها كاظم الساهر ورولا سعد وماجد المهندس.

وتكشف هذه التجربة عن مرحلة مبكرة من التوسع في مفهوم العطور المرتبطة بالمشاهير في السوق العربية، وعن دور السويدي في تحويل الفكرة إلى منتجات تحمل هوية تجارية وشخصية محددة.

وبالتوازي مع ذلك، ذكر عدداً من الأعمال التي شارك في تطويرها منها: Link White وLink Black وH2O وKaj وFair Espeedy وOne Love وOHYA وMumtaz، إضافة إلى Velvet Rose المرتبط باسم عبد الخالق سعيد.

كما شملت مشروعاته أسماء أخرى، من بينها Folli Follie و Oji Baran و Robussi، وهي تجارب ارتبط بعضها بعلامات تعمل في مجالات المجوهرات والإكسسوارات الفاخرة.

ويقدر السويدي إجمالي المنتجات والمشروعات التي شارك في تطويرها خلال مسيرته بنحو ٥٠٠ منتج، وهو رقم يعكس اتساع تجربته وتنوع مسؤولياته، مع ضرورة التمييز بين التركيبات التي ابتكرها بنفسه والمشروعات التي أشرف عليها أو شارك في تطويرها بالتعاون مع عطارين آخرين.

باريس: تأسيس Le Royaume du Parfum

مثّل الانتقال إلى باريس منعطفاً مهماً في مسيرة حبيب السويدي؛ ففي عام ١٩٩٦ أسس شركة Le Royaume du Parfum، واضعاً بذلك أساساً لمرحلة جديدة من العمل المستقل في صناعة العطور.

لم يكن تأسيس الشركة مجرد خطوة تجارية، بل كان تعبيراً عن رغبته في بناء مساحة مهنية تجمع بين العطارين والمختبرات ومصممي العبوات والعلامات التجارية.

ومن خلال هذا المشروع، اتسع نطاق عمله ليشمل تقييم التركيبات العطرية وتطوير المفاهيم الإبداعية وإدارة المنتجات والإشراف على الهوية البصرية والتصميم، إلى جانب التنسيق بين مختلف الأطراف المشاركة في صناعة العطر.

وقد أتاح له وجوده في باريس الاقتراب من المدرسة الفرنسية في صناعة العطور، وبناء علاقات مهنية مع مجموعة من الأسماء المعروفة، من بينهم بيير بوردون وجان لويس سوزاك وأرتوريتو لاندي ودومينيك روبيون.

كما امتدت اهتماماته إلى تصميم العبوات، وتعاون مع أسماء بارزة في هذا المجال، مثل سيرج مانسو وبيير دينان، إدراكاً منه أن العطر الفاخر لا يقوم على جودة الرائحة وحدها، بل على تكامل التجربة الجمالية والفنية للمنتج.

بين الشرق والغرب: رؤية تتجاوز حدود المكونات

من الجوانب اللافتة في تجربة السويدي اهتمامه بالمكونات الشرقية، ومحاولته توظيفها ضمن تركيبات عطرية تتفاعل مع المدارس الغربية الحديثة.

فالعود واللبان والمر والراتنجات والتوابل ليست بالنسبة إليه مجرد مواد مرتبطة بالذاكرة الشرقية، بل عناصر تمتلك إمكانات تركيبية واسعة يمكن استكشافها وتطويرها داخل المختبرات.

وقد تحدث عن الصعوبات المرتبطة بالعمل بالعود، ولا سيما اختلاف خصائصه بحسب مصدره وطبيعته وجودة المادة المستخلصة منه، وما يتطلبه ذلك من معرفة دقيقة بخصائص المواد الخام وقدرتها على التفاعل مع بقية المكونات.

ويرى السويدي أنه كان من أوائل المهتمين بإدخال الخط الشرقي إلى التركيبات العطرية الحديثة بصورة منهجية، من خلال الجمع بين المكونات الشرقية والغربية بدلاً من الاكتفاء بإضافة نفحات شرقية إلى تركيبات تقليدية.

وتكمن أهمية هذه الرؤية في أنها تنظر إلى المواد الشرقية باعتبارها جزءاً من لغة عطرية عالمية قابلة للتطور، لا مجرد رموز تراثية أو عناصر تسويقية.

سيرج مانسو: عندما تتحول القارورة إلى عمل فني

لم ينحصر اهتمام حبيب السويدي في الجانب الشمي للعطر، بل امتد إلى التصميم والهوية البصرية، وهي عناصر أدرك أهميتها مبكراً في صناعة المنتجات الفاخرة.

وتبرز علاقته بالمصمم الفرنسي سيرج مانسو (Serge Mansau) بوصفها إحدى المحطات التي تعكس هذا الاهتمام.

فمانسو من الأسماء المهمة في تاريخ تصميم قوارير العطور، وقد ارتبط اسمه بأعمال تتجاوز الوظيفة التقليدية للعبوة، لتجعل منها قطعة فنية مستقلة.

ويظهر هذا التوجه بوضوح في مشروع Reine de Saba، حيث لم يكن تصميم القارورة منفصلاً عن المرجعية التاريخية والثقافية للعلامة، بل استلهم رموزاً مرتبطة بالملكة بلقيس وحضارة سبأ.

وهنا تتضح إحدى سمات رؤية السويدي: العطر تجربة متعددة الأبعاد، تتكامل فيها الرائحة مع التصميم والرمزية والهوية.

دومينيك روبيون: شراكة قائمة على الإبداع

تُعد العلاقة المهنية التي جمعت حبيب السويدي بالعطار الفرنسي دومينيك روبيون (Dominique Ropion) من أبرز علاقاته في عالم العطور.

وبحسب ما ورد في Pariscom Magazine، بدأت معرفتهما من خلال العطار جان لويس سوزاك، ثم تطورت إلى تعاونات ومشروعات مشتركة.

ومن أبرز نتائج هذا التعاون عطر Aksoum لصالح Reine de Saba، الذي وضع تركيبته دومينيك روبيون، مستلهماً المرجعيات الجغرافية والتاريخية للمنطقة.

كما يشير المصدر إلى دعم السويدي لمشروع Aphorismes الذي أطلقه روبيون، من خلال المساهمة في الجوانب الاستراتيجية والتصميمية والإنتاجية.

وتكشف هذه العلاقة عن جانب يتجاوز التعاون التقليدي بين صاحب العلامة التجارية والعطار؛ فهي تعكس اهتمام السويدي بالمساهمة في بناء بيئة تسمح للمبدعين بتقديم مشاريعهم المستقلة وتطوير رؤاهم الخاصة.

Reine de Saba: استعادة ذاكرة مملكة سبأ العطرية

إذا كان تأسيس Le Royaume du Parfum قد مثّل بداية استقلال السويدي المهني، فإن Reine de Saba تمثل التعبير الأوضح عن رؤيته الثقافية للعطر.

بدأت فكرة المشروع عام ١٩٩٦، لكنها احتاجت إلى سنوات طويلة من التحضير والبحث والتطوير قبل إطلاقها بصورتها الحديثة في باريس عام ٢٠٢٢.

استلهم السويدي المشروع من حضارة سبأ والملكة بلقيس، ومن الدور التاريخي الذي لعبته اليمن والمنطقة المحيطة بها في تجارة اللبان والمر والبخور والمواد العطرية.

لم تكن الفكرة مجرد استخدام أسماء تاريخية لإطلاق مجموعة عطور، بل بناء هوية تستند إلى البحث في التاريخ والآثار والمواد الخام والطرق التجارية القديمة التي ربطت الجزيرة العربية بالقرن الإفريقي وحضارات العالم القديم.

وقد امتد هذا الاهتمام إلى التصميم، فالقارورة استلهمت عرش الملكة بلقيس، بينما حمل الغطاء دلالات مرتبطة بالرموز التاريخية للمشروع، واستوحي تصميم العلبة من نقوش الخط المسند اليمني.

ولتعزيز الجانب التاريخي، استعان السويدي بالباحثة والمؤرخة الفرنسية أنيك لو غيرير (Annick Le Guérer)، المتخصصة في تاريخ الروائح والعطور، إلى جانب الدكتور محمد الحاج للمساهمة في الجانب التاريخي والحضاري اليمني، بحسب المعلومات المنشورة عن المشروع.

أما على المستوى العطري، فقد جمع المشروع نخبة من العطارين المعروفين، من بينهم دومينيك روبيون وألبرتو مورياس وأوليفييه كريسب ونتالي لورسون وصوفي لابيه وميشيل ألميراك، إلى جانب آن فليبو وبرونو يوفانوفيتش وأليكس لي وجوردي فرنانديز وغيرهم.

وتضم مجموعة الدار عطوراً مثل Aksoum وBalqis وEncens Saba وOud Précieux وSalalah، ولكل منها تصور عطري مستقل يستلهم جانباً من الهوية التي أراد السويدي تقديمها.

ومن المهم التمييز هنا بين دور السويدي بصفته المؤسس والمدير الإبداعي، وبين أدوار العطارين الذين وضعوا التركيبات، فهو لم ينسب إلى نفسه جميع العطور، بل قدم المشروع باعتباره عملاً جماعياً يقوم على حرية الإبداع والتعاون.

ويشكل Salalah استثناءً مهماً؛ إذ يحمل توقيعه بصفته العطار الداخلي للدار، ويقدم تصوراً عطرياً يجمع بين البرغموت والهيل والفلفل الوردي، ثم الياسمين والماغنوليا والسوسن، وصولاً إلى الكشميران والفانيليا والمسك.

Ybry Paris: إحياء إرث فرنسي يعود إلى عام 1925

بعد استعادة الذاكرة العطرية لحضارة سبأ من خلال Reine de Saba، اتجه السويدي إلى مشروع يحمل مرجعية تاريخية مختلفة تماماً، هو إعادة إحياء دار Ybry Paris.

تعود جذور الدار إلى عام ١٩٢٥ في باريس، وترتبط باسم سيمون ياروسلافسكي (Simon Jaroslavsky)، الذي قدم رؤية تجمع بين صناعة العطور وعالم المجوهرات الفاخرة.

وقد ارتبطت الدار بفكرة تقديم العطر في قوارير ذات طابع فني ومجوهراتي، قبل أن تتراجع أنشطتها في فرنسا خلال ثلاثينيات القرن الماضي، مع استمرار نشاطها في الولايات المتحدة لفترة لاحقة، وفق الرواية التاريخية المنشورة عن العلامة.

وفي عام ٢٠٢٥، ارتبط اسم حبيب السويدي بإعادة إحياء الدار، مع تقديم مجموعة جديدة في معرض TFWA بمدينة كان الفرنسية.

استندت المجموعة إلى مفهوم سبعة أحجار كريمة وسبعة عطور، في محاولة لإعادة تقديم فلسفة العلامة الأصلية برؤية معاصرة تجمع بين الرائحة والجمال والتصميم.

وتضم المجموعة Ambre وAméthyste وÉmeraude وRubis وMoissanite وQuartz Rose وTurquoise، بالتعاون مع مجموعة من العطارين، من بينهم أليكس لي وفيولين كولاس ورومان ألميراك ونتالي لورسون.

ويكشف هذا المشروع عن اهتمام السويدي بإحياء العلامات التاريخية، وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة مع الحفاظ على مرجعيتها الثقافية والفنية.

وهنا تظهر المقارنة اللافتة بين مشروعيه: Reine de Saba تستعيد جذوراً شرقية يمنية، بينما تعيد Ybry Paris قراءة إرث فرنسي مرتبط بالعطور والمجوهرات وفنون التصميم.

عُمان: امتداد طبيعي لذاكرة اللبان

تحتل سلطنة عُمان مكانة خاصة في السياق الثقافي لمشروعات حبيب السويدي، لما تمثله من أهمية تاريخية في إنتاج اللبان وتجارته.

ومن هنا تأتي أهمية توجهه نحو توسيع حضور مشروعاته في المنطقة، مع اهتمام خاص بالسوق العُمانية، بحسب ما ورد في المادة الصحفية المنشورة عنه.

فالعلاقة بين عُمان والعطور لا تنفصل عن تاريخ اللبان العُماني الذي عبر طرق التجارة القديمة ووصل إلى حضارات متعددة، وأصبح أحد الرموز الأساسية للتراث العطري في شبه الجزيرة العربية.

وبذلك يبدو التوسع في هذه المنطقة امتداداً لرؤية بدأت من الذاكرة العطرية لليمن ومرت بباريس ثم عادت إلى فضاء جغرافي وثقافي كان له دور محوري في تاريخ تجارة المواد العطرية.

فلسفة مهنية: الإبداع قبل الاتجاهات التجارية

من خلال أحاديثه ومقابلاته، تتضح ملامح فلسفة مهنية تقوم على احترام الحرفة العطرية ومنح العطار مساحة للتعبير عن رؤيته.

وقد عبّر السويدي عن تحفظه تجاه هيمنة دراسات السوق والاتجاهات السريعة على الإبداع، كما انتقد ظاهرة تقليد العطور الناجحة وإنتاج البدائل التي تعتمد على إعادة تقديم تركيبات موجودة بدلاً من البحث عن أفكار مستقلة.

ولا يعني ذلك تجاهل متطلبات السوق، بل التأكيد على ضرورة ألا تتحول تلك المتطلبات إلى قيد يحد من حرية العطار وقدرته على الابتكار.

ومن اللافت أيضاً أنه يفصل بين ذوقه الشخصي ورؤيته المهنية؛ فاهتمامه الكبير بالعود والمواد الشرقية لا يعني بالضرورة أنها تمثل اختياراته الشخصية الدائمة، إذ أشار إلى إعجابه بعطر My Clémentine من دومينيك روبيون، وهو مثال على اختلاف الذائقة الفردية عن طبيعة المشاريع التي يعمل على تطويرها.

من تعز إلى باريس: مسيرة تتجاوز صناعة العطور

تمثل تجربة حبيب السويدي مسيرة متعددة الأبعاد، بدأت من بيئة يمنية ارتبطت بالزهور واللبان والمر، ثم انتقلت إلى السعودية حيث تشكلت خبرته الصناعية والتجارية، وصولاً إلى باريس حيث اتسعت علاقاته المهنية وتبلورت مشروعاته المستقلة.

ومن إدارة مصانع العطور وتطوير المنتجات الخليجية، إلى التعاون مع شخصيات فنية وإعلامية، وتأسيس Le Royaume du Parfum، ثم إطلاق Reine de Saba وإحياء Ybry Paris، تتضح رحلة لا تختصرها صفة واحدة.

فهو عطار في بعض مشروعاته، ومؤسس ومدير إبداعي في مشروعات أخرى، ومطور منتجات في تجارب متعددة، وهي أدوار تتكامل لتشكل صورة مهني عمل في أكثر من جانب من جوانب صناعة العطور.

وربما تكمن خصوصية تجربته في قدرته على الربط بين الذاكرة العطرية الشرقية والمدرسة الأوروبية الحديثة، وبين التاريخ والإبداع، وبين المادة الخام والمنتج الفاخر.

إنها رحلة بدأت من روائح الفل والياسمين واللبان في تعز، وامتدت عبر المصانع والأسواق الخليجية إلى باريس، حاملة معها رؤية تعتبر العطر أكثر من مجرد تركيبة؛ إنه ذاكرة وهوية وثقافة ومساحة مفتوحة للإبداع.

حبيب السويدي، تجربة مهنية تلتقي فيها جذور الشرق مع طموح الصناعة العالمية، وتؤكد أن للعطر حكاية تبدأ أحياناً من زهرة في موطن بعيد، قبل أن تصل إلى قوارير تحمل اسم مدينة أو حضارة أو ذاكرة لا تُنسى.

Issam Al_Daoor

I am the founder of Aromatic Glance Website. I was born in Gaza, Palestine. I spent my childhood in Saudi Arabia, earned a Bachelor’s degree in Medicine and General Surgery in Egypt, and currently work as a Specialist in Anesthesia and Intensive Care. Additionally, I hold certifications and have experience in digital marketing, SEO, and WordPress. As an Arabic content writer, I personally oversee the editing and revision of all articles on website. My goal is to develop Arabic fragrance content through highly accurate articles that serve as a reference for everyone worldwide

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى