في عالم العطور، لا تُقاس الحكايات دائماً بعدد النفحات التي تتكوّن منها، بل بالمشاعر والذكريات والأفكار التي تستطيع رائحة واحدة أن تستحضرها. فالعطر ليس مجرد تركيبة من المواد العطرية، وإنما لغة صامتة قادرة على التعبير عما تعجز الكلمات عن قوله.
ومن هذا المنطلق، تأتي تجربة Selcouth Perfumes كمساحة يلتقي فيها الخيال مع الحرفة، وتتحول الرائحة إلى وسيلة لاكتشاف عوالم غير مألوفة، تحمل في تفاصيلها رؤية خاصة للعطر ومعناه.
في هذه المقابلة مع أخد مؤسسي الدار نقترب من فلسفة Selcouth، ونتحدث عن مصادر الإلهام، وطريقة النظر إلى المواد العطرية، والعلاقة بين الإبداع والهوية، وكيف يمكن للعطر أن يتجاوز حدود الرائحة ليصبح تجربة تُعاش وتُتذكر.
حوار يكشف لنا ما وراء الزجاجة… وما الذي يجعل بعض العطور تبقى في الذاكرة حتى بعد أن تتلاشى من الهواء.
١. ماهي دار سيلكوث وما الذي تحاول تقديمه للجمهور العربي؟
سيلكوث هي دار عطور سعودية مستقلة تأسست نوفمبر ٢٠٢٤ في الرياض، وتركّز على تقديم العطور بأسلوب فني ومختلف، مع اهتمام كبير بجودة المواد الخام والافكار.
نحاول أن نقدم للجمهور العربي والسعودي بشكل خاص تجربة مختلفة عن العطور التقليدية، عطور لها شخصية واضحة، وتحتاج إلى أن تُكتشف مع الوقت، وليست مصممة فقط لإرضاء الجميع.
كلمة Selcouth نفسها تعني الشيء الغريب، النادر والغير مألوف، وهذا المعنى يلخص كثيرًا من فلسفة الدار.
٢. من أين تستمد الدار إلهامها؟
الإلهام يأتي من أشياء كثيرة: أولها من من المواد الخام المميزة نفسها والمشاهد، لكن أهم مصدر إلهام بالنسبة لنا هو محاولة النظر إلى المواد المعروفة بطريقة مختلفة.
قد نأخذ مادة معروفة مثل جذور السوسن أو التبغ أو الأخشاب، ونبني فكرة غير متوقعة.
كما أن حبنا للنوتات البوزية أصبح جزءًا واضحًا من DNA الدار، ونحاول دائمًا تقديمه بطريقة فنية وليست مباشرة.
٣. ماهي الصعوبات التي تواجهونها عند صناعة عطور الدار؟
أكبر تحدٍ هو تحقيق التوازن بين الفكرة الفنية وجودة التنفيذ، أحيانًا تكون لديك فكرة واضحة جدًا، لكن تحويلها إلى عطر مستقر ومتوازن وقابل للإنتاج التجاري يحتاج إلى الكثير من التجارب، كذلك تقبل الفكرة بعض الأفكار صعبة وغير متقبلة للأغلبية.
كما أن استخدام المواد الطبيعية عالية الجودة يضيف تحديات أخرى، سواء من ناحية التكلفة أو توفر المواد أو اختلاف طبيعتها من دفعة إلى أخرى.
وبالنسبة لنا، لا نريد التضحية بجودة المادة فقط من أجل الوصول إلى تكلفة أقل، لذلك قد تستغرق بعض التصاميم وقتًا طويلًا قبل أن تصل إلى الشكل الذي نريده.
٤. هل هناك دور للثقافة والإرث السعودي في تركيبة العطور المختارة؟
بالتأكيد، ولكن ليس بالضرورة بطريقة مباشرة أو تقليدية، وسيتم التركيز عليها كإصدارات محدودة مستقبلاً.
نحن دار سعودية، وبالتالي البيئة التي نعيش فيها جزء طبيعي من طريقة تفكيرنا: العود، البخور، الأخشاب، التوابل والروائح الدافئة كلها مواد لها حضور قوي في الثقافة السعودية، لكننا لا نريد أن نعيد تقديمها بالشكل التقليدي فقط.
نحاول أخذ هذه العناصر وإعادة تفسيرها ضمن لغة عطرية معاصرة، بحيث يكون العطر سعودي الهوية دون أن يكون محصورًا في صورة نمطية عن العطر الشرقي.
٥. أين ترى مستقبل الدار وما هو طموحها؟
طموحنا أن تصبح سيلكوث دارًا سعودية لها حضور عالمي، وأن يكون اسمها مرتبطًا بالعطور الفنية عالية الجودة، وليس فقط بكونها علامة سعودية.
نريد أن نبني دارًا لها هوية واضحة يمكن التعرف عليها من خلال العطر نفسه، وأن نصل إلى أسواق عالمية مختارة مع الحفاظ على استقلالية الدار وجودة منتجاتها.
وبالنسبة لنا، النمو ليس الهدف الوحيد، الأهم هو أن ننمو بطريقة تحافظ على شخصية سيلكوث.
٦. صف لي دار سيلكوث بثلاث كلمات.
جريئة. فنية. غير مألوفة.
٧. كيف تقيم جودة المواد المستخدمة؟
جودة المواد الخام بالنسبة لنا أساسية وليست تفصيلًا ثانويًا، نحاول استخدام مواد طبيعية عالية الجودة إلى جانب مواد عطرية حديثة عندما تخدم التركيبة.
لدينا اهتمام خاص بالمواد الطبيعية النادرة والمكلفة مثل الـOrris Root وبعض الأخشاب والأزهار، ونؤمن أن جودة المادة تظهر في تطور العطر على البشرة وليس فقط في اللحظة الأولى من الرش.
لكن الجودة بالنسبة لنا لا تعني أن تكون كل المواد طبيعية، الأهم هو اختيار المادة المناسبة للتركيبة، واستخدامها بطريقة تحقق أفضل نتيجة ممكنة.
٨. هل لك أن تعطينا فكرة عن أشهر عطور الدار؟
لدينا مجموعة من العطور التي تمثل جوانب مختلفة من شخصية سيلكوث.
Veil of Orris من أكثر العطور التي تعكس اهتمامنا بالمواد الطبيعية،
وهو مبني حول جذور السوسن الـOrris Root الطبيعية ” ٢٠٪ أيرون”، مع حضور واضح للمادة نفسها من الافتتاحية للقاعدة في إطار سوسني بوزي عنبري محتلف عن أي عطر مبني على السوسن أو جذور السوسن في السوق.
٩. حدثنا أيضًا عن العطر الجديد الذي سيصدر في شهر ١٢ القادم.
العطر الجديد سيكون إصدارًا محدودًا، وهو مختلف قليلًا عن الإصدارات السابقة من سيلكوث.
لا أريد الكشف عن كل تفاصيله الآن، لكن يمكنني القول إنه عطر يتمحور حول التبغ الطبيعي من ٣ مصادر، وبشخصية أكثر جرأة وعمقًا ودخانًا.
اخترنا له اسم Tobaccoholic، والاسم بحد ذاته يعطي لمحة عن الشخصية التي أردنا بناءها، عطر مبني على التبغ، لكن ليس بالطريقة التقليدية المتوقعة.
وسيكون إصدارًا محدودًا، لذلك نحن نتعامل معه كقطعة خاصة أكثر من كونه إضافة عادية إلى المجموعة الأساسية، وسيصدر في ديسمبر ٢٠٢٦ بحول الله.
في نهاية هذا الحوار، يتضح أن العطر بالنسبة إلى Selcouth Perfumes ليس مجرد مزيج من المواد العطرية، بل رحلة تبدأ من الفكرة وتنتهي بإحساس يبقى في الذاكرة. وبين المادة والإبداع، وبين الحرفة والخيال، تتشكل هوية عطرية تبحث عن معنى يتجاوز الرائحة نفسها.
ربما تكمن جمالية العطر الحقيقيّة في قدرته على أن يقول شيئاً مختلفاً لكل من يلتقي به، أن يستحضر ذكرى لدى شخص، ويوقظ فضولاً لدى آخر، أو يفتح باباً إلى عالم لم يكن يعرف بوجوده.
وهنا تحديداً تصبح العطور أكثر من مجرد رائحة تُرتدى… إنها لغة غير مرئية، تحمل في صمتها حكايات لا تُقال بالكلمات.
